Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

جدليات الصراع و التوافق في المغرب نحو إعادة كتابة تاريخنا السياسي المعاصر، بقلم د. عبد الإله بلقزيز

عُقْم الدراسات السياسية في المغرب

يقدم الجدل السياسيّ الدائر اليوم حول طبيعة اللحظة التي يمر منها المغرب، وانقسامُ فريقيْه المتناظريْن بين متمسك بالقول إنها تَسْتَأْنِفُ ما قَبْلََهَا وبين قائلٍ إنها تدشِّن مسارًا ومنعطفًا جديديْن...، مناسبة لإعادة فتح ملف التطور السياسي الحديث في المغرب منذ مطالع عهد الاستقلال، قبل ما يقل قليلا عن نصف قرن، وإلى نهاية القرن المنصرم - التي آذَنَ الانتقالُ التلقائي للسلطة فيها بانطلاق الحديث حول العهد الجديد والانتقال الديمقراطي وما في معنى ذلك - في أفق إعادة كتابة ذلك المسار المُتَعَرِّج الذي قطعه الصراع الاجتماعي والسياسي، خلال هذه الحقبة، وتَعْيين المحطات المفصلية فيه.

وإِذْ أَلْهَبَتِ السجالاتُ الحادة حول الموقف من عمل "هيئة الإنصاف والمصالحة"، ومن تجربة جلسات الاستماع إلى ضحايا القمع، ذلك الجدلَ وذهبت به إلى حدود بعيدة، فقد نبَّهت في الوقت عينِهِ إلى حقيقةٍ لم يكن لِيَذْهَلَ عنها لبيب، هي أن تاريخنا السياسيّ المعاصر لم يُقْرَأ بعد بما يكفي من الموضوعية والرصانة، ولم يقع بحثٌ جدّيّ في الديناميات العميقة التي صنعت وقائعَه، بل كثيرًا ما استُعِيدَ - في السجال السياسي- كشريطٍ من الحوادث المتعاقبة مع قليلٍ من المَيْل نحو البحث عما يجمع بين تلك الحوادث من أواصر وعلائق، أو عمَّا يشدُّ أمشاجَهَا إلى علاقاتٍ حاكمةٍ للاجتماع السياسي.

يتصل ذلك النقصُ الحادّ في إدراك تاريخنا السياسي وقراءته - وإعادةِ كتابتِه استطراداً - بعجٍز ملحوظ في مضمار الحقل الأكاديمي وحقل الدراسات السياسية فيه على نحوٍ خاص . فتقاليد البحث العلمي في المغرب تُرَاِوحُ عند نقطة البـدايات : مُتَلَكِّئَةَ الخَطِْو، مُتَهَيِّبَةَ الإقدام على تأسيس الأسئلة واقتحام المسكوت عنه. والمؤسسةُ الجامعية لم تَقْوَ على الزجّ بنفسها في مُسَاءَلَةِ التاريخ السياسي للمغرب لأسبابٍ منها ضَيْقُ الهوامش المُتاَحة أمام حرية الرأي والبحث العلميّ. وإذا أضيفَ إلى ذلك كله أن البلاد تكاد لا تعرف معنًى لظاهرة مراكز البحث والدراسات المستَقِلَّة، اجتمعت الأسبابُ كافة لتفسير ذلك الخَصَاص المعرفيّ . والأدعى إلى القلق في هذا الباب أن الذين يقدّمون روايتهم لتاريخنا السياسيّ المعاصر ( منذ الاستقلال حتى اليوم) ليسوا من ذوي الاختصاص، أعني : ليسوا ممَّن في وُسْعهم أن يتوسَّلوا بالأدوات الفكرية والمنهجية المناسبة لإنتاج معرفة رصينة بذلك التاريخ، أو لتأسيس مقاربة تتخطى المألوف في باب القول السياسيّ الدارج. فهم - في الأغلب الأعم منهم - من غير الأكاديميين ( سياسيون حزبيون ، إعلاميون، ناشطون في الحقل العام، كتّاب أعمدة ومقالات...) ! وليس معنى ذلك أن الأخيرين لا يملكون حق الرأي في الموضوع ، أُسْوَةً بالأوَّلين، فهم لا يقلّون عنهم في ذلك الحق حتى لا نقول إن نصيبهم منه أعلى، لأنهم أشدّ التزاماً - في الغالب - بالشأن العام من الأكاديميين. غير أن ما في حوزتهم من معارف وأدواتٍ منهجية لا يسعفهم ببناء ذلك القدر المطلوب من المعرفة بذلك التاريخ.

سيكون من باب المجاملة الزائفة أن يقال إن من حقّ السياسيين والصحفيين والناشطين في " منظمات المجتمع المدني" أن ينخرطوا - بلا حدود- في مغامرة كتابة التاريخ السياسيّ للمغرب تحت عنوان " حق الجميع" في الرأي، ذلك أن للأمر تبعاتٍ قد لا يتحملها المستقبل. وليس أقلّ تلك التَّبعات أن مغامرةَ الكتابة تلك قد تغرِّم وعيَ جيْلٍ كاملِ بتجهيلٍ سياسيٍّ عام. قد لا يكون ذلك التجهيل مقصودًا وعن سبْقِ إصرار، لكن نوع المعروض على ذلك الوعي من معارف - لا تُؤَسِّسُها مقدماتٌ معلومة بلغة أرسطو ولا تقيم الاستنتاجاتُ عليها أدلَّة - قد يكون من الخِفَّةِ والابتذال والسطحية بحيث يُنْتِجُ وعيًا عامًّا رَثًّا. والمشكلة يَعْظُمُ أمرُها متى تذكَّرنا أن انهيارا رهيباً حصلَ في معدَّلات القراءة لدى المغاربة في العقديْن الأخيريْن، وأن مادة القراءة تواضعت - في الأثناء - من الكتاب، إلى المجلة، إلى الصحيفة، إلى التلفاز، راكبةً موجَةَ المد الإعلاميّ السمعيّ- البصريِّ. وهكذا بات ميدان المعرفة الوحيد اليوم هو ميدان الإعلام ( المقروء والمرئي) حيث معايير المعرفة الأكاديمية براَّنية عن هذا الحقل ! وحيث الفضاء فسيح أمام الكلام السائب الذي يأتيه مَنْ يأتيه من دون ضوابط تَْعْقِلُهُ.

لسنا نجادل في أن للسياسيين والإعلاميين دورًا رئيسياً وحيوياً في بناء الرأي العام. أعني : في تنمية ثقافةٍ سياسية عامَّة لدى جمهوٍر ليس يَعْسُرُ على قسمٍ منه أن يتفاعل مع مفردات الخطاب السياسيّ والإعلاميّ بسبب مباشريتها. لكن المسافة وَسِيعَةٌ بين بناء الرأي العام وبين إعادة كتابة التاريخ السياسيّ . وهي عينُها المسافة بين الدعوة والنظرية، بين السياسة - والإعلام استطرادًا - وبين المعرفة . العُدَّة التعبوية في الأولى غير العُدَّة النظرية في الثانية. ولذلك فالنتائج تختلف.

ولكن، " الحق على الطَّليَان" يقول إخوتُنا في المشرق العربي من باب تجهيل الفاعل. نحن لن نُجَهِّلَ الفاعلَ، بل سنعرِّفه ، إنه الأكاديمي. الحق على الأكاديمـي ( المؤرخ، الباحث في العلوم السياسية...) الذي أَشْبَعَ القرن التاسع عشر المغربي بحثًا ولم يلتفت إلى القرن العشرين- وإلى نصفه الثاني - إلاّ لماماً ؛ أو الذي دَرَسَ تجربة الملكية في إسبانيا ولم يَعْتَنِ بمثيلتها في المغرب. الذي لا يمتلك الشجاعة الكافية لطرح الأسئلة الحقيقة التي تفرضها وقائع التطور في الحقل السياسي المغربي منذ مطالع عقد الستينيات، فَيَكتفي منها بتركها معلَّقة، أو يتركها لمن " ليسو أهلاً للنظر فيها" بلغه أبي الوليد بن رشد في وَصْفِهِ المُتَطَفِّلَةََ على الفلسفة .

ما الذي يجعل كتاباً مثل " أمير المؤمنين" لواتربوري أو مثل " الفَلاَّح" لريمي لوفو- مثلا - يحظى بكل ذلك الاستقبال الذي حَظِيَ به من القراء، ومن النخب، وحتى من الطبقة السياسية نفسها ؟ هل لأن صَاحِبَيْهما من الأجانب بحيث يعرفان عن تاريخنا ما لا نعرفه عنه ؛ أم لأن المقاربة العلمية في الكتابين أعلى من المعدّل المعرفي المتوفر لدى الباحثين المغاربة ؟ لا هذا ولا ذاك. فقد كتب أجانب آخرون نسيَ القراءُ المغاربة ما كتَبوه بعد قراءته، من فرط سطحيته أو تَوَاُطئِهِ ضِدّ الحقيقة أو مُمَالأتِهِ للموقف الرسمي. كما أن المستوى العلمي للمقاربة - وإن كان لا يمكن الطعن فيه - ليس يتخطى في القيمة ما أبداه باحثون مغاربة تناولوا مراحلَ أخرى سابقة من التاريخ السياسي كان عبد الله العروي أبرزهم ( في كتابه : " الأصول الاجتماعية والثقافية الوطنيَّة المغربية" ) . قيمة تلك الكتابات إذن- وهي هنا المشكلة عندنا - في جرأتها في تناول ذلك التاريخ السياسي بغير قيودٍ تفرضها على نفسها.

سيقال إن في وسع جون واتربوري أو ريمي لوفو أن يكتبا ما شَاءَا بحرّية دون أن يخشيا محاسبة، فيما ليس هذا شأن الباحثين المغاربة المحكومين بضرورة مراعاةِ سقوفٍ في حرية القول ليست تَقْبَلُ الانتهاك. وهذا صحيح، ولكن نسبيًّا، لأن هوامش حرية البحث العلمي لم تكن معدومة تماماً في العقود الأخيرة على ضراوة القمع فيها. وحتى إذا سلّمنا بأن تلك الحرية كانت ممتنعة ، فهاهي فرصة الحديث في ذلك التاريخ القريب باتت أوفر، وهوامش الحرية فيه أوسع، على ما تكشف عن ذلك تجربة الاستماع إلى ضحايا القمع في المغرب. فمتى نَبْدأ ؟ إعادة إنتاج التناقضات تمتنع كتابة تاريخ المغرب السياسي، في حقبته المعاصرة، من دون مطالعة عملية التراكم التي شهدها حَقْلُهُ السياسي منذ قيام دولة الاستقلال في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وفي قلبها عملية الاصطفاف الاجتماعي والاستقطاب السياسي والديناميات الدافعة نحو توليدهما وإعادة إنتاجهما. فتاريخ الحقل السياسيّ - أيِّ حقلٍ سياسيّ - غيرُ قابلٍ للكتابة كتاريخ بُنى ومؤسسات، بل كتاريخ ممارسات - كما تفيدُنا بذلك مساهمة نيكوس بولانتزاس النظرية في تحليل المجتمعات الرأسمالية - أي كتاريخ تناقضات وصراعات يحرِّكها مبدأ المصلحة الاجتماعية ( = الطبقية).

ومع أن الفرز الاجتماعي الطبقي لم يحصل في مجتمعٍ حديثِ العهد بالعلاقات الرأسمالية، كالمجتمع المغربي المشدود بأكثر من آصرةٍ إلى بُنى وعلاقاتٍ تقليدية متأخرة، إلا أنه لا يَعْسُرُ على القارئ في تاريخه المعاصر- خلال نصف قرنٍ مضى- أن يَعْثُرَ على ما يؤسِّسُ لتلك الصراعات فيه ويبرّرُها. فهشاشة التكوين الطبقي لمجتمع لم يَخْرُجْ بعدُ من تاريخه الزراعي ومن عصبياته المحلية = الجهوية ، والقبلية، وما انْفَرَزَتِ الخطوطُ الفاصلةُ بين فئاته، ليست سَبَبًا لامتناع رؤية ما تُنْتِجُه علاقاتُ قواه من تناقضاتٍ عميقةٍ تُتَرْجِمُ نفسَها في أشكالٍ مختلفة من الصراعِ الغالبُ عليها منحاها السياسي.

قد يكون في جملة تلك التناقضات العميقة شيءٌ - أو أشياء- من مواريث الماضي المُعَادِ إنتاجُها في دولة الاستقلال ، مثل التناقض بين المدينة والريف ، بين الدولة والقبيلة، بين العمل والرأسمال، بين التحديث والتقليد ...إلخ ، لكن الأهمَّ من تعيين أنماط تلك التناقضات، ووجوهِ استوائها على أشكالٍ من الإدراك الذاتيِّ لها، أنها لم تَفْتَأْ تُبَدِّدُُ فواصلَها وتمايزاتِها في تناقضٍ سياسيٍّ رئيسٍ تَرْجَمَهُ تقاطبٌ حادّ بين فريقين في السياسة، أمسك واحدُهما بمقاليد إدارة سلطه الدولة، وألْغَى الثانيُّ نَفْسَهُ على مَبْعَدَةٍ منها بَعْد إذْ كان منها قريبًا : عَنَيْنَا بهما النخبة الحاكمة والحركة الوطنية التي افتتحت عقد الستينيات بالأيلولة إلى المعارضة بعد تجربة في الحكم قصيرة ( حكومة عبد الله إبراهيم) .

استُعيدت كافة تلك التناقضات - وهي تناقضات البنية الاجتماعية - في سياقات صراعية جديدة أَطْلَقَتْهَا دولة الاستقلال، لكنها لَبِسَتْ لبوسًا مختلفًا، وشُحِنَتْ بمضامينَ جديدة. كان يمكننا أن نَلْحَظَ مظاهرَ متجددة من التناقضات بين المدن والأرياف في صورة نشوء أحزابٍ غير مدينية في وجه أخرى كانت المدينةُ منْبَتَها، وذلك ما أكده قيام " الحركة الشعبية" في وجه " حزب الاستقلال" ، وما أكده ميْل النظام السياسي إلى تشديد قبضته على الأرياف ومنع الحركة الوطنية من التمدُّد فيها منذ عقد الستينيات الماضي. وكان يمكننا أن نلحظ بعض مظاهر تجدُّد العصبيات المحلية في الحياة السياسية عشية الانقسام في " حـزب الاستقــلال " (1959)، وأن نعاين عودةً متصاعدةً للصراع بين المركز والأطراف، بين الدولة والقبيلة، كما في أحداث الريف ( 1958 ) وتمرّد عَدِّيّ وْبِيهِي، ثم كان يسيراً أن نتبيَّن وجوهاً مختلفة من إعادة إنتاج التقاطب السياسي والثقافي بين التقليد والتحديث، بين مَيْل النظام إلى المحافظة وإعادة إنتاج التقليد وتعميمه وبين سَعْيِ الحركة الوطنية في الانتصار لقيم التحديث السياسي ( الديمقراطية) والاقتصادي ( التصنيع ) والاجتماعي (حرية المرأة، مشاركة الشباب، إدماج الأرياف في الحياة السياسية...)، والثقافي (الانفتاح على الثقافة الكونية وعلى الثقافة التحررية والتقدمية بوجهٍ خاص).

ولم تكن هذه التناقضات - الموروثة والمتجددة - لتصنع تقاطبًا يضع فريقاً في وجه فريق آخر، إذ هي كانت تعتمل داخل كلّ فريق من الفريقين ( النظام والحركة الوطنية) . فلم يكن صعباً أن نتبيَّن وجوهاً من الصراع الخفيّ بين المدينة والريف، بين العصبيات المحلية، بين التقليد والتحديث، داخل "حزب الاستقلال" ، وداخل " حزب الشورى والاستقلال" ، ثم داخل " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" نفسه• وهو الأمر الأكثر انطباقا على النظام الذي آخى في جوفه بين أساطين المحافظة والتقليد وبين أكثر الحداثيين تطرفا من النخبة الفرنكوفونية• أما التناقض بين العمل والرأسمال، فما كان تناقضا بين التنظيم النقابي للحركة الوطنية ( " الاتحاد المغربي للشغل") وبين برجوازية محْمية من الدولة، وإنما كان - أيضا - تناقضاً داخل الحركة الوطنية بين المُعْدَمين والأثرياء من المنتسبين إليها. ومع ذلك، لم يكن ضروريا أن تعيَ كلّ الأطراف هذه الأنماط المختلفة من التناقضات وكيف تشتغل في " نظام الممارسة" ، حتى تؤسِّس قواعد للصراع أو ترشِّدَه ، وإنما كان على ذلك الصراع أن ينطلق موضوعياًّ تحت وطأة الضغوط المختلفة المفووضة على قواه، وأن يتخذ - في مطافه الأخير - شكل صراع بين قطبين باعدتْ بينهما السياسة دون الاجتماع والثقافة ( هما النظام والحركة الوطنية)، ثم كان على ذلك الصراع - وهذا هو الأهمّ - أن يأخذ شكل صراعٍ على السلطة : وخاصة منذ إقصاء الحركة الوطنية منها في مطلع ستينيات القرن الماضي.

من الصراع على السلطة إلى التوافق

تاريخ الصراع السياسيّ في المغرب هو - بالتعريف - تاريخ الصراع على السلطة فيه. لا يَشُّذُّ، بهذا المعنى، عن أيّ تاريخ من تواريخ الصراعات السياسية في أيّ مجتمع في العالم. لكنه - كأي صراع - يحتفظ بسمات خاصة به خصوصيةَ الواقع الاجتماعيّ الذي أنتجه. وهي سماتٌ - وإن لم تكن فريدة - لا تتبيَّن إلا في سياق الديناميات الاجتماعية المختلفة التي أطلقت ذلك الصراع وصنعت أشكالاً ومحطاتٍ متنوعةً منه.

ليس من أهدافنا استعادةُ وقائعِ ذلك الصراعِ السياسيِّ على السلطة، الذي دشَّنه استقلال المغرب وزَادَهُ حدَّةً والتهاباً إخراجُ الحركة الوطنية من السلطة في مطلع ستينيات القرن العشرين، فالمجال هنا لا يتسع لذلك، ناهيك بأن هذا الضرب من التناول المنهجي للموضوع ليس مما يغرينا الخوض فيه، فقد يكون ذلك أصْوَبَ في عمل المؤرّخ المُعْتَنِي بتدوين الحوادث والوقائع. ما نبتغي المساهمة به - في هذا الباب - هو بناء رؤية تركيبية لذلك التاريخ : تُعَيِّنُ الديناميات الدافعة له والمفاصلَ الرئيسَ فيه، وتستخلص اتجاهات التطور في مساره. وهو هدفٌ، وإن كان يتوسَّل بأدوات التاريخ ( الرؤية التعاقبية، الرؤية التزامنية، الإسناد، الاستشهاد بالوقائع ...) ، يعتمد التحليل السياسيّ في المقام الأول .

نفترض - ابتداءً- أن مثل تلك الرؤية التركيبية - الاستنتاجية تتوقف على تحقيبٍ للتاريخ السياسيّ يعيد بناء حوادث ذلك التاريخ على نحو يقيم الوَصْلَ بينها أو يَنْسُج الصلات بين مفاصلها الكبرى فتتبيَّن، في ضوء ذلك، الاتجاهاتُ الرئيسُ للتطور والعواملُ الصانعةُ لها. ونقرّر - ثانيا - أن مثل ذلك التحقيب يَقْبَل الإجراء على وجوهٍ مختلفة تبعا لنوع الموضوعة التي ينطلق منها المحقٍّب. وعليه، نَميل إلى تحقيب ذلك التاريخ السياسي على قاعدة موضوعةٍ تقول إن القانون الذي حَكَمَ معطيات ذلك التاريخ السياسي- المعاصر- هو الصراع من أجل حيازة السلطة بين فريقين رئيسيْن في حقل السياسة في المغرب هما : النظام والحركة الوطنية.

من النافل القول إن الخوض في تفاصيل ذلك الصراع كان مبرَّرًا لدى الفريقين معا. فهما بَدَآ شريكيْن في معركةٍ مشتركة هي المعركة ضد الاحتلال ومن أجل نيل الاستقلال الوطني ؛ وقد دشَّنَها - في صيغتها النهائية الحاسمة - توقيعُ رموز العمل الوطني على " عريضة المطالبة بالاستقلال" ، في 11 يناير 1944، وَرَفْعُهَا إلى الملك الراحل محمد الخامس، وتجاوُب الملك مع المطلب إلى المدى الذي قاده - بعد ثمان سنوات من ذلك التاريخ - إلى الصدام العنيف مع سلطة الاحتلال الفرنسي• لقد انتقلت الحركة الوطنية سريعا، وفي غضون عشر سنوات، من مطالبة الدولة " الحامية" ( = فرنسا) - في وثيقة " دفتر مطالب الشعب المغربي" - بتطبيق التزاماتها بالإصلاحات المنصوص عليها في " عقـد الحماية" ( الموقَّع في مارس 1912)، إلى مطالبتها بالرحيل والاعتراف باستقلال المغرب. وحين جُوبِهَ مطلب الاستقلال بالقمع ، أطلقت الحركة الوطنية تجربة المقاومة وجيش التحرير بَدْءًا من صيف العام 1953 . في المقابل، انتقلت المؤسسة الملكية من حالة التعايش الاضطراري مع الاحتلال، إلى حالة التناقض معه بعد احتضانها مطلب الاستقلال. وكان ثمن ذلك نَفْيُ الملك محمد الخامس وأسرته إلى مدغشقر، وتنصيب ملك صوري ( ابن عرفة) في صيف العام 1953 . وحين كان وفد الحركة الوطنية يفاوض الفرنسيين في " مفاوضات إيكس ليبان" ، في العام 1955، كان المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ( المفاِوضات الرئيسان) يطرحان شرطاًُ على المفاوض الفرنسي لبحث موضوع الاستقلال الوطني هو عودة الملك من المنفى : وهو ما ستسلّم به فرنسا أخيرًا• قامت علاقةٌ تحالفية - إذن - بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية امتدت - على الأقل - منذ العام 1944 . وترجمت نفسها، في سنوات الاستقلال الأولي، في مشاركة الحركة الوطنية في الحكومة الأولى التي ترأَّسها مبارك البكَّاي ( أحد المقربين من القصر ) ، وخاصة في تشكيل الحكومة الوطنية ( 1958 ـ 1960 ) التي ترأسها الأستاذ عبد الله إبراهيم. لقد كان على الشراكة في مواجهة المستعمر أن تقود إلى الشراكة في الحكم. لكن هذه الشراكة الأخيرة لم تعمّّر إلاّ لسنواتٍ معدودات. إذ سرعان ما أُعْفِيَت حكومة عبد الله إبراهيم من مهامها، وانقطع حبل الوصال بين الطرفين لتجد الحركة الوطنية نفسها، في العام 1960، في موقع المعارضة ؛ وتلك كانت بداية الصراع على السلطة.

في التحقيب الذي نقترحه، نفترض أن تاريخ الصراع على السلطة في المغرب مرَّ بأطواٍر ثلاثةٍ رئيسَة : طور الصراع على حيازة السلطة واحتكارها ؛ وطور المنافسة السِّلْمِيَّة عليها : لحيازتها من فريق أو للاحتفاظ بها مـن فريقٍ ثان ؛ ثم طور المشاركة فيها بشروط الفريق الأقوى في المعادلة السياسية : يمتد الطور الأول من العام 1960 - تاريخ خروج حزب الحركة الوطنية الجديد ( " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية") - من السلطة إلى تصفية " حركة 3 مارس" المسلحة التي أطلقها - في 3 مارس 1973 - جناح الراحل الفقيه محمد البصري. طبعت هذه المرحلة أحداث سياسية جسام : الصدام المسلح بين النظام والحركة الوطنية ( = التي كان فريق فيها مازال يملك سلاحا ومقاتلين حتى بعد حلّ جيش التحرير وإدماجه في الجيش النظامي )؛ انتفاضة 23 مارس 1965 وقمعها دموياًّ ؛ إعلان " حالة الاستثناء" ؛ إطلاق يد الجنرال أوفقير في الحريات العامة ؛ اختطاف واغتيال الشهيد المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965 ؛ أحكام الإعدام في حق بعض قادة " الاتحاد الوطني ..." ؛ سلسلة متصلة من المحاكمات السياسية لمئات المناضلين بين العامين 1961 و 1973 وأحكام منهمرة بالإعدام أو بالمؤبّد ؛ حظر النشاط القانوني لـ " الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" في 24 يناير 1973 ؛ الهجوم الأمنيّ الشامل على تنظيمات اليسار الماركسي - اللينيني. في غمرة ذلك الصدام العنيف، كانت فكرة إسقاط النظام بالعنف الثوري سياسةً - بل عقيدةً - لدى بعض قوى الحركة الوطنية وكانت محاولاتٌ جاريةً على قدمٍ وساق وصولا إلى نهايتها الدرامية في أحداث 3 مارس 1973 . وكانت عملية القمع الأعشى نشطة إلى حدود التوحش. ثم لم تلبث أن دخلت المؤسسة العسكرية على الخط، فجرى انقلابان عسكريان فاشلان في 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972، لتبلغ الأزمة السياسية في البلاد ذروتها آنذاك. انهارت الثقة بين النظام والحركة الوطنية، وزادها انهياراً تصويت المعارضة الوطنية ضدّ التعديلات الدستورية، واعتذار قادة " الاتحاد الوطني" (= عبد الله ابراهيم، عبد الرحيم بوعبيد) عن المشاركة في الحكومة التي عرضها عليهم العاهل الراحل الحسن الثاني. وفي تلك الأجواء من الشك المتبادل، لم يكن ممكنًا لقرارات 30 يوليوز 1972 - التي اتخذتها اللجنة الإدارية لـ " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" مُنْهٍيَةً فيها العلاقة بالتيارين النقابيّ والمسلّح" في الحزب - أن تُقَدِّمَ الاطمئنان السياسيَّ الكافي للنظام، إذ لم يلبث هذا الأخير أن دَفَّعَ الحزبَ ثمنَ التمرد المسلح في 3 مارس 1973 تدفيعا على الرغم من أنه لم يحصل بقرار من الحزب ، ولم يَقُمْ على ذلك دليلٌ أمنيّ أو قضائي•

الحقيقة الوحيدة- ولكن الأهم - التي أسفرتْ عنها حقبة المواجهة بين الفريقيْن هي بقاؤُهُمَا معًا على خريطة السياسة : لم يسقط النظام، وهو المتمتع بالقوة الاجتماعية والشعبية والدينية فضلا عن الأمنية، ولم تنقرض الحركة الوطنية والتقدمية. وفي مناخ هذه الحقيقة، نَما شعورٌ متبادل - من قِبَل الفريقين - بأن فكرة الإلغاء تصطدم بواقع الوجود الماديّ القويّ لمن يُرَادُ إلغاؤُه، وبأن أَمْثَلَ سبيلٍ لتصويب مسار الحياة السياسية الوطنية هو إعادة تأسيس السياسة من مدخل الاعتراف المتبادل، والبحث عن جوامع ومُشْتَرَكات من شأنها تفريغ الأزمة من عوامل التفجُّر، وترشيد الصراع السياسي ليصبح أكثر قابلية للضبط والمعالجة المرنة عند الأزمات. يبدأ الطور الثاني من تاريخنا السياسيّ المعاصر من ميلاد هذا الوعي المشترك، لدى الفريقين ( بضرورة التفاهم والتوافق على مُشْتَرَكَات تقوم عليها علاقاتُ السياسة من جديد ). ولعلّ طرحَ القضية الوطنية ( = استرجاع الصحراء المغربية المحتلة آنئذ من طرف إسبانيا ) في العام 1974، كان إيذانًا بتدشين هذا الطور الثاني. تجاوبت الحركة التقدمية على الفور مع مبادرة الملك بفتح ملف الأقاليم المغربية المحتلة في الجنوب ( = الساقية الحمراء، ووادي الذهب)، ودخلت معركة التعبئة الوطنية تحت شعار " الإجماع الوطني". وكان المقابل أن النظام أنهى العمل بصيغة الحكم الأوتوقراطي وفَتَح الباب أمام ما سيُعْرَف منذ ذلك الحين باسم " المسلسل الديمقراطي " . فانطلق مسلسل الانتخابات المحلية : البلدية والقروية 1976))، والتشريعية 1977))؛ وجرى إقرار الظهير المنظم للجماعات المحلية (1976) ؛ وأُفِْرجَ عن المعتقلين السياسيين الاتحاديين، وسُمِحَ لبعض مناضلي " الاتحاد" المنفيين بالعودة ؛ ومُكِّن الفريقُ الاتحادي الذي اجتمع في 30 يوليـوز 1972، وأَصْدَرَ قراراته الشهيرة في اجتماع لجنته الإدارية، من عقد مؤتمر استثنائي ( حَمَل فيه حزبُه اسم " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية") في بداية العام 1975 . وكانت ذروةُ المقابل الرسميّ للمسار الاتحاديّ الجديد اعترافُ السلطة بقيام نقابة " الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" - التي كان وراءَ تأسيسها نقابيون اتحاديون - وَرَفْعُ الحظر القانوني عن نشاط " الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" .والحدثان معًا حَصَلا في العام 1978 .

يمتد هذا الطور من منتصف السبعينيات - مع فتح ملف القضية الوطنية وإطلاق " المسلسل الديمقراطي " - إلى منتصف التسعينيات مع إقرار التعديلات الدستورية ( 1996) . وقد طَبَعَهُ انتظامٌ نسبيّ في المواعيد الانتخابية، وانتقالُ الصراع من الشارع إلى قاعة البرلمان ( في قسمٍ كبيرٍ من وقائعه )، وتَحَسُّنٌ متدرج لأوضاع الحريات العامة وحقوق الإنسان ( مقرونٌ- طبعاً - باشتغال ماكينة القمع في عهد إدريس البصري على رأس وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية)، وتوسيعٌ متزايد لحرية الصحافة، وإفراٌجٌ متدرّج عن مئات معتقلي الرأي، وتشذيب نسبيّ لمدوَّنة الأحوال الشخصية...إلخ . مثلما طَبَعَهُ انتقالٌ جرئ نحو فكرة الإصلاح السياسي والدستوري بعد المذكرة المشتركة المرفوعة إلى الملك من زعيميْ " الاتحاد الاشتراكي" و " حزب الاستقلال" في العام 1991 . دَشَّن هذا الطور انتقالاً حاسماً من فكرة الصراع من أجل حيازة السلطة بطريق الإقصاء والإلغاء، وبكل الوسائل المتاحة بما فيها العنف، إلى فكرة المنافسة السياسية على السلطة قصد اقتسامها - من قبل فريق هو الحركة التقدمية - أو قصد تقديم حيٍِِّز منها صغير للفريق الخصم ( = وتلك كانت استراتيجية السلطة ) لاستيعابه في علاقات السياسة والسلطة. وبصرف النظر عن النوايا المتبادلة، أَمْكَنَ لهذه العلاقة الجديدة من الصراع أن تفتح الباب أمام منافسةٍ سلميَّة إيجابية، وأن تعيد السياسة إلى مؤسسات الدولة أو إلى الشرعية، وتُجَدِّد الثقة في سلامة نهج خيار التطور الديمقراطي . لم تكن الصورة وردية تماماً : كان القمع في عنفوانه في الأعوام 1979، 1981، 1984، 1990، وما بينها، وكانت الانتخابات عرضة لمذبحةٍ إدارية منظَّمة، وكانت أحزاب الإدارة تتناسل من بعضها كالفِطَر ، والمحاكمات تفرِّخ محاكمات، والحكومات الصورية تنشأ من عدمٍ اجتماعيّ فَتَذِْوي سريعاً كأوراق الخريف... إلخ . لكن ذلك كلَّه ليس سبباً يمنع من القول إن أوضاع الصراع السياسي في البلاد باتت أفضل ممّا كان عليه أَمْرُها في سنوات الستينيات ومطالع السبعينيات.

وليس من شك في أن تراكمات ذلك الطور الثاني هي ما فتح الباب أمام الطور الثالث الجديد الذي يشهده الصراع السياسي في المغرب منذ مستهل النصف الثاني من عقد التسعينيات الماضي. نقطة البداية فيه كانت- بغير جدال - التعديلات التي أجريت على الدستور في العام 1996 وأخذت في الاعتبار كثيراً من مطالب المعارضة. أما الذروة، فكانت تعيين زعيم المعارضة : الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وزيراً أولَ في مارس 1998 تحت سقف فكرة " التنــاوب" (= التداول).

أنهت المعارضة - " الاتحاد الاشتراكي " على وجه التحديد - تقليداً درجتْ عليه هو العزوف عن التصويت لصالح الدستور. ولم يكن موقفُها ذاك لِيُقْرَاَ إلا بوصفه شكلاً ما من أشكال حجبها الاعتراف بالشرعية. الأمر الذي كان يولِّد لدى النظام شعوراً بفقدان الثقة فيها أو بعدم الاطمئنان لطويَّتها• وفي مقابل ذلك، أنهى النظام تقليداً رديفاً دَرَجَ عليه هو إقصاؤها وتهميشها من مجال السلطة. وهكذا أصبح بعضُ أهل المنافي والسجون وزراء في حكومة المغرب بعد أن وقع الاعتراف رسمياًّ بالدستور، ليَنهار الكثير من الحواجز الحائلة دون توافقٍ سَعَتْ الأحزاب التقدمية صادقةً في أن يقوم ويتجدَّد بين الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية على مثال ذاك الذي قام في أربعينيات القرن الماضي فكان المِدْمَاك الذي نهضت عليه تجربة النضال من أجل الاستقلال الوطني. ومع أن حكومة الأستاذ اليوسفي أُعْفِيَتْ من مهامها ، بعد الانتخابات التشريعية للعام 2002، ولم يُعَدْ تكليفُه من جديد لتشكيل حكومة جديدة ( لا تختلف ملامحها اليوم عن ملامحها أمس سوى أن وزيرها الأول مستقل وليس من الحركة التقدمية)، إلا أن الصيغة السياسية التي أَرْسَتْها فكرة " التناوب" - في العام 1998 - ما بَِرحَتْ هي نفسُها الصيغة المستمرة اليوم مع بعضِ تعديلٍ.

في هذا الطور الثالث، المستمر، جرى الانتقال من فكرة المنافسة السّلميَّة على السلطة إلى فكرة المشاركة فيها، أو قل المشاركة في إدارتها من الموقع الحكومي ( بعد الموقعين المحلّي والبرلمانيّ) . وهو، وإن كان انتقالاً مشوبا بالنواقص ( ومنها أن هذه المشاركة محدودة بسبب محدودية صلاحيات الحكومة في النظام السياسي، وأنها غير كاملة لوجود وزارات سيادية خارج سلطة الائتلاف الحكومي)، إلا أنه يمثل طفرة غير بَسيطة في تطوّر الحياة السياسية في المغرب .

جدلية التقليد والتحديث في النظام السياسيّ

يُخْطئ مَن يعتقد أن النظام السياسي في المغرب لم يشهد تغييرات في سياساته الداخلية أو في القواعد التي قامت عليها تلك السياسات. قد ينجم مثل هذا الاعتقاد عن انطباع خارجي أو حتى عن صورة نمطية عن المَلَكية في البلاد لدى سياسيين أو مثقفين - من خارج المغرب - من المشدودين إلى الفكرة الجمهورية : خاصة في فرنسا وبعض أوربا والمشرق العربي. وقد ينجم لدى كثير من العاملين في الحقل السياسيّ في المغرب عن رؤية عدمية تأبى الانتباه إلى الوقائع، وتنغمس كثيرا في النصوص، ولا تُبْدِي قليلَ احتفالٍ بالتاريخ والتراكم التاريخي، فتنتظر التغيير كاملاً وسريعاً وصاخباً .

إذا تركنا الرومانسية الثورية وخطاب الينبغيات جانباً، وتوسَّلنا ببعض الواقعية السياسية في رؤية ما جرى على مسرح السياسة والصراع في المغرب منذ الاستقلال، أمكننا أن نلحظ اشتغال آليتين في الحقل السياسي متنافرتيْن في الطبيعة، لكنهما متضافرتان في صوغ مجالٍ سياسيّ قائم على توازن متوتر وحذر، هما : آلية إعادة إنتاج التقليد ومَأْسَسَتِهِ سياسياًّ ، وآلية التحديث السياسيّ المتعثر والمتردّد.

ترتبط الآلية الأولى بطبيعة النظام السياسي القائم - ابتداءً- على الشرعية الدينية، والذي تتماهى فيه القيادة مع الإمامة ، الولاية السياسية مع الولاية الدينية ممثلتيْن بشخص أمير المؤمنين ( = الملك) . هذا القوام التأسيسيّ في نظام الحكم في المغرب يعيد إنتاج نفسه من خلال إنتاج المؤسسات الخاصة به والقيم السياسية المناسبة لمنطقه . تبدو هذه الآلية حاكمة وطاغية، ليبدو معها النظام منغلقاً على ثوابته، متعثراً في الانتقال من نظام الدولة المخزنية إلى نظام الدولة الحديثة كما يَرِدُ وصفُه في خطاب اليسار. ونحن من جهتنا نشك في أنه قد تطرأ تغييرات كبيرة على اشتغال هذه الآلية لاتِّصَالِهَا بذلك التماهي- الذي أشرنا إليه - بين القيادة والإمامة. ومن المفارقات أن التقدميين المغاربة، الذي عَالَنُوا ذلك التقليد اعتراضاً ولردح طويل من الزمن، همْ أنفسُهم الذين يطالبون اليوم بـ " تفعيل مؤسسة إمارة المؤمنين" للردّ على الإسلاميين أو للاستنجاد بها حينما يتعلق الأمر بحقوق المرأة مثلا. لقد اكتشفوا متأخرين أن التقليد قد يخدم الحداثة نفسها ! وترتبط الآلية الثانية بمنطق المصلحة الثَّاوي في كل سياسة، وبالحاجة إلى تجديد الشرعية وتنويع مصادرها. تقتضي المصلحة تقوية النظام. وتقويتُه لا تكون بتَسَرْبُلِهِ بأجهزة القوة والأمن فحسب، بل بالشرعية الاجتماعية الداخلية. وهذه لا تتحقق إلاّ بإشباع حاجات فئاتٍ أوسع من المجتمع، وإدماج مَن يمكن إدماجُه منها في النظام السياسي عبر التمثيل والمشاركة. ومعنى ذلك أنه لا بدَّ من إنشاء مؤسسات عصرية تقوم مقام مؤسسات التمثيل التقليدية. ولابدًَّ لهذه الدينامية السياسية من دينامية اقتصادية وإدارية تواكبها وتؤسس لها...إلخ . وهكذا تكرّ سبحة التحديث. بلغة أخرى، لم يكتف النظام بشرعيته الدينية الضاربة جذورا في التاريخ، بل جدَّد شرعيته الوطنية ( التي كان الملك الراحل محمد الخامس قد أطلقها في معركة الاستقلال الوطني وقَادَتْهُ وأسرتَه إلى المنفى في " مدغشقر") مع فتح ملف استرجاع الصحراء المغربية في العام 1974 . ثم كانت الشرعية الوطنية على موعد مع شرعيةٍ جديدة هي الشرعية الديمقراطية : استئناف مسلسل البناء الديمقراطي. ولم يكن صدفة أنَّ طَرْحَ القضية الوطنية استدعى رأساً المسألة الديمقراطية وَدَفَعَ النظام إلى القيام بإجراءات إعادة العمل بخيار التطور الديمقراطي في منتصف السبعينيات.

قد يختلف الناس في النظر بإيجابية إلى حقبة الثلاثين عاماً الماضية في المغرب، وإلى رصيد المكتسبات الديمقراطية المتحقق فيها. لكنهم لن يختلفوا في أنها شهدت تعديلاتٍ ملموسة في مقاربة السلطة للمسألة السياسية في البلاد ولحقوق سائر القوى في المشاركة السياسية، ومَيْلاً متدرِّجاً منها للحدّ من احتكار السلطة ، ولِتَصْحِيح أوضاع الحريات العامة وحقوق الإنسان، واحتراماً للمواعيد الانتخابية - مع بعض التصرف الاستثنائي كالتمديد - ولو من دون احترام حُرْمَةِ صناديق الاقتراع. كما لن يختلفوا في أن فترة الانفراج والتحسن في الأوضاع السياسية هي تلك التي بدأت منذ العام 1996 - مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية - وأثمرت انتخابات أقل فضائحية ( في العامين 1997 و 2002)، وحكومة وطنية ائتلافية قادها الحزب الرئيس في اليسار ( حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي) ، وتصفية رسمية شجاعة لحقبة القمع والانتهاكات ...

من النافل القول إن هذه المتغيرات الطارئة على سياسات النظام في الثلاثين عاما الأخيرة، وخاصة في الأعوام العشرة المنصرمة، أتت ثمرة فعل معطيات عديدة متفاوتة التأثير : تعاظم نفوذ فكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان على الصعيد الكوني، والضغطُ الدولي ومنه توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتكيُّف سياسات السلطة مع المتغيرات العالمية، وإدراك النظام المتزايد للمأزق الداخلي الذي تقود إليه سياسة القمع والإقصاء واحتكار السلطة . لكن الذي ليس يقبل تجاهلاً، في هذا المعرض، هو الدور الكبير الذي نهضت به المعارضة الديمقراطية في وضع مَطْلب التنمية الديمقراطية على جدول أعمال السياسة في المغرب . فقد كان دورا رائدا وحاسما في شق الطريق نحو تلك الدينامية السياسية التي تنتج اليوم بعض ثمراتها في الحياة العامة. ولا يملك أيُّ قارئ في سياقات التطور السياسي للمغرب المعاصر، خاصة في السنوات الثلاثين الأخيرة، أن يتجاهل - مثلا - الأهمية الكبيرة التي اكتسبها حدث سياسيّ ( حزبيّ) مُمَيَّز مثل انعقاد " المؤتمر الاستثنائي" لحزب " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" عام 1975 وصـدور " التقرير الايديولوجي" عنه، وحسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح استراتيجية النضال الديمقراطي بأفق اشتراكي، في مضمار عملية فتح الباب أمام ذلك التطور.

تلك كانت بدايةً أولى، ولكن صاخبة، لتحوُّلٍ كبير في وعي مسألة التغيير الاجتماعي والسياسي لدى الحركة الوطنية المغربية وجناحها اليساري - ممثلا بـ " الاتحاد الاشتراكي " - على وجه التحديد. وهو تحوُّل رَسَا على فكرة النضال الديمقراطي السلميّ من خلال الأقنية الشرعية ( المؤسسات التمثيلية : المحلية والوطنية )، ومن خلال المنظمات الجماهيرية : العمالية والمهنية والاجتماعية . ولا يقلّل من شأن هذا التحوُّل أن ثمراته السياسية ظلت متواضعة منذ منتصف السبعينيات حتى النصف الثاني من التسعينيات، ذلك أن تواضُعَهَا بالحساب السياسيّ الجاري يُعَوِّض عنه عظيمُ فوائدها في الرصيد السياسيّ الثابت لتلك الحركة وللبلاد برمَّتها.

وليس التشديد على الدور الذي نهض به " الاتحاد الاشتراكي" في ذلك التحوّل تزيُّداً مناَ ومبالغةً ، أو شأناً في باب الانحياز لهذا الحزب. إذ لا انتماءَ حزبياًّ لدى كاتب هذه السطور يبرّر له الدفاع عن ذلك الحزب أو نقدَه ( وقد يكون لديه الكثير من الملاحظات على أداء الحزب ومواقفه وبعض أدبياتـه الفكرية : وتلك مسألة أخرى ليس هذا مقامها). وإنما يُرَدُّ ذلك التشديد منّا عليه إلى ريادته في فتح الباب أمام ميلاد استراتيجية النضال الديمقراطي في العمل الوطني، والمبادرة بالتنظير لهذه الاستراتيجية في مواجهة حملات نقدية ايديولوجية تَرَاءَتْ لها ( تلك الاستراتيجية) دليل َ الأدلةِ كافّة على " إفلاس الأحزاب الإصلاحية".

لم تكن تلك المبادرة لتخْلُوَ من الشجاعة السياسية في مناخات لم يكن هيِّناً التعبير فيها عن خيارات جديدة في التغيير السياسي والاجتماعي في المغرب. فالتيارات السياسية المستندة إلى فكرة الثورة أو التغيير الجذري كانت لاتزال تستطيع أن ترفع الصوت، وأن تُنْزلَ أحكام الإدانة بالذين جنحوا للخيار الديمقراطي. بل إن هذه التيارات تعززت بميلاد تنظيمات اليسار الماركسي- اللينيني وبانعطافة " الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" نحو خيار يساري راديكالي منذ مؤتمره الخامس عشر ( صيف 1972) ؛ وحملاتُ الاعتقال والمحاكمات السياسية كانت نَشِطَةً قبيل " المؤتمر الاستثنائي" وبعده؛ والانتخاباتُ عُرضة لأفدح أنواع التزوير وأفْضَحِها ؛ والتنظيمُ النقابي الطلابي كان لايزال محظوراً .إلخ . وبالجملة ، ما كان في حوزة الحزب ما يبرِّرُ به جنوحه الحاسم نحو العمل الديمقراطي التدرجي حيث السلطةُ تُقِيمُ دليلاً من سلوكها - وبه - على أن ماكينة القمع والعزل هي وحدها التي تصنع السياسة حتى إشعار آخر. وهو ما بَدَا معه - لدى كثيرين- أن الردّ عليها بالمطالبات السلمية أشبه ما يكون باستجداء الحقوق .

غنيّ عن البيان أن الذين دشّنوا استراتيجية النضال الديمقراطي في المغرب منذ ثلاثين عاماً - وفي جملتهم القائدان الوطنيان الراحلان عمر بن جلّون وعبد الرحيم بوعبيد - ما كانت لديهم أوهام حول ثمرات سياسية سريعة تجنيها الحركة الديمقراطية والمجتمع والشعب من الولوج إلى هذا الخيار. كانوا مدركين - وجرى ذلك على ألسنتهم مرارا - أن معركة الديمقراطية طويلة الأمد وقد تستغرق جيْلاً أو جيلين . وهو عينُه الإدراك الذي تسلَّح به الديمقراطيون المغاربة طيلة ثلاثة عقود متحملين القمع، وتزوير إرادة الشعب في الاقتراع، وتخليق - أو تفقيس - أحزاب إدارية من عدمِ محض، وحملات التّيئيس المنظمة. والحصيلة، أن هذه الاستراتيجيا باتت جماعية إلى حدّ كبير بعد أن أخذت بها تنظيمات عدة من الحركة التقدمية.

من الأمانة القول إن الفكرة الديمقراطية ليست وليدة " المؤتمر الاستثنائي " للاتحاد الاشتراكي، وإنما تعود إلى بدايات الاستقلال الوطني، وقد تبنتها - على تفاوت - أحزاب " الاستقلال " و " الشورى والاستقلال " و " الاتحاد الوطني" و " التحرر والاشتراكية" . لكنها باتت خياراً فكرياًّ وبرنامجياًّ استراتيجياًّ بدءاً من العام 1975 . حتى أن فصيلاً ماركسيا - هو منظمة 23 مارس" - تبناها سريعاً في العام 1978 وصمَّم عليها مشروعه السياسي، خاصة بعد أن حصل على الشرعية القانونية ( تحت اسم " منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" ) . وهو ما سيفعله - بدءا من التسعينيات - قسم آخر من اليسار المؤتلف اليوم في إطار " اليسار الاشتراكي الموحَّد" . انتهت الحقبة التي كانت فيها البرلمانية والديمقراطية ملهاةً برجوازية لصرف الجماهير عن الثورة أو التغيير الراديكالي ، وباتت خيارا فكريًّا وبرنامجَ عمل لدى السواد الأعظم من الحركة التقدمية في المغرب . والحقيقة التي لا تقبل التجاهل ، في هذا الباب ، هي أن التراث النضالي الديمقراطي المعاصر في المغرب يجد مقدماته النظرية التأسيسية في وثيقة " التقرير الايديولوجي " المقدَّمة إلى " المؤتمر الاستثنائي" ذاك .

عود على بدء

هل طوى المغرب حقبة الماضي الثخين بالأحزان والجراحات ليفتح صفحة تطوُّرٍ ديمقراطيَ مطَّرد وثابت ونهائي ؟ مؤشرات كثيرة على ذلك تبدو في الأفق المنظور، ليس أقلّها ما يجري، اليوم، من محاكمة سياسية علنية لذلك الماضي بمناسبة تصفية ملفات ثلاثة أجيال من المعتقلين السياسيين في إطار " هيئة الإنصاف والمصالحة" . ومع ذلك ، من المبكّر الذهاب إلى القول - بكل اطمئنان - إن البلاد ودعتْ تماماً كابوس القمع والمنع والعزل. وليس مردّ التحفظ إلى شكٍّ ما في إرادة الدولة أو في طويتها ، وإنما مردُه - في المقام الأول - إلى إدراكٍ حادٍّ لدينا ولدى كثيرين غيرنا بالصعوبات التي تَحُفُّ بمراحل الانتقال الديمقراطي فتضع سياقاتها في مَهَبّ الاحتمالات.

فترات البداية هي الأصعب في عملية الانتقال الديمقراطي، ولعلها كذلك في كل عملية بناء. فالتجربة عادة ما لا تكون قد بارحتْ طَوْرَ طراوتها. وحين لا تجد ما تتغذى منه، وما تتغذى به، تتحوّل الطراوة تلك إلى هشاشة لا يمكن أن يقوم عليها بِنَاء. ثم إن الانتقال الديمقراطي - في لحظة البدايات - يكون معرَّضاً بالضرورة إلى ضغط القوى المناهضة له من تلك المنحدرة من مراحل الماضي . وبسبب تغلغل هذه القوى في الدولة والمجتمع والاقتصاد ، تمتلك من القوة ما تستطيع به أن تُطِيحَ به أو - أقَلاًّ- أن تعيق تطوره .

وفي المغرب جيشُ جرَّار من المناهضين للإصلاح وللانتقال نحو الديمقراطية. جيش تجد كتائبَه داخل الدولة وأجهزتها الحساسة، وداخل المجتمع، وفي أوساط الحركة الحزبية والنقابية .إلخ . جيش نَمَتْ مصالحُه في حقبة العدوان على الأرزاق والحقوق والأنفس والأبدان، ويَخْشَى عليها من تحوّلٍ سياسيٍّ يذهب بها إلى غير رجعة. لذلك تراه مستنفراً القوى والأدوات لكبح جماح ذلك الانتقال. ولا يستهينَنًَّ أحدٌ بما لديه من ضروب التأثير والنفاذ في مجرى الحياة السياسية. وهو - في كل حال - سيقاتل بشراسة دفاعاً عن امتيازاته غير المشروعة. قد يجد نفسَه مُجْبَراً على ممارسةِ قتالٍ تراجعيّ أمام قوى الديمقراطية. لكنه قتالُ من يدافِعُ عن البقاء، وهو - في كل المعارك - أشرس أنواع القتال• نجاح الانتقال الديمقراطي رهنُ بتوفير ميزانٍ قوىً يَرْفده ويحميه ويفتح المسارب والأنفاق أمام تدفق حركته. ومسؤولية الديمقراطيين هنا عظيمة ، وتاريخية.

(ü) أستاذ الفلسفة -

جامعة الحسن الثاني- الدارالبيضاء

مقال نشر بجريدة الإتحاد الإشتراكي يتاريخ 28 ماي 2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma