Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الريف، بلد النكبات. الاستقرار، مدخل ورهان الانتقال الديموقراطي والتنمية

يسعدني أن أساهم معكم في هذا الملتقى، ملتقى ربط الماضي بالحاضر، ملتقى إعادة الأواصر بين أجيال الريف الذين شتتتهم علل متعددة، ذاتية ومفروضة. ومن غريب الصدف أن التقاءنا في هذا اليوم وفي هذا الشهر يتزامن مع عدة وقائع وشمت ذاكرتنا وكياننا، بل أضحت تتحكم في شخصيتنا وتوجهنا في قراراتنا، عن قصد أو لا شعوريا، وهي أحداث إما ورثناها أو عايشناها وتعايشنا معها، انصهرنا في أعماقها وانغرست في مخيلتنا. ذلك أنه في يوم 6 فبراير من سنة 1962 غادر دار الفناء إلى دار البقاء الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ملهم تاريخنا المعاصر، ويوم 24 فبراير أتمت الحادثة التي زلزلت أجسادنا وحتى فكرنا وكياننا سنتها الأولى، وبعد أيام معدودة، أي يوم 13 مارس، ستحل الذكرى 46 لنهاية انتفاضة وثورة الريف وانسحاب قائدها من الميدان في اتجاه المنفى. أحداث إذا كانت تشكل جزءا من هويتنا، فإنها يجب أيضا أن تكون حافزا للتطلع نحو المستقبل وأن تثير في دواخلنا اقتناعا وإرادة قوية بأن الإنسان إذا ما آمن بصدق بمبادئه وقدراته، فإنه لا محالة سيسعى إلى توفير ما يمكن من الوسائل والميكانزمات ما يجعله قادرا على تحقيقها. وانطلاقا من قراءاتنا المتواضعة لماضي منطقة الريف، بمره وحلوه، بنجاحاته وإخفاقاته، خلصنا إلى أن أحد المحددات والمداخل التي يتوقف عليها مشروع التنمية، بموازاة عوامل أخرى، هو عامل الاستقرار، أي العامل الذي يجعل من الإنسان كائنا يحس بالأمن والطمأنينة، العامل الذي يتيح الظروف الملائمة للخلق والإبداع والتفكير. ولهذا سنركز في مداخلتنا هذه على هذا الجانب من حياة إنسان الريف مستشهدا ببعض الوقائع والأحداث التاريخية الهامة التي أثثت ماضي هذه المنطقة.

في البداية، نعتقد أنه من الضروري توضيح الأسباب التي فرضت علينا الاهتمام بهذا العامل كمحدد من بين المحددات الأخرى المتحكمة فيما غدا يشغل بال المجتمع المغربي برمته وليس الريف وحده، وهو الانتقال الديمقراطي والتطلع إلى غد مشرق تسود فيه روح القيم النبيلة.

ذلك أنه من المفاهيم التي غدت تسترعي الانتباه بشدة وأضحت أكثر تداولا في الوقت الراهن، سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي أو العالمي، مفهوم التنمية باعتباره الجيل الثالث ( الحق في التنمية والسلم والبيئة النظيفة بعد الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية ) من حقوق الإنسان ومدخلا لتحقيق رفاهية الشعوب ومسلكا يمكن الشعوب المستضعفة أو الضعيفة من اللحاق بالركب المتقدم. غير أن هذه الغاية لا يمكن بلوغها إذا لم تستحضر وتتوفر عدة مقومات ودعامات منها الثروات الطبيعية ورؤوس الأموال واليد العاملة المؤهلة بالخصوص، ثم مؤسسات سياسية قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة وفي الوقت المناسب والرامية إلى تحقيق طموحات الشعب وتنميته، فتتوفر بذلك ظروف تدفع المواطن إلى استثمار إمكانياته وثرواته وقدراته. فما هي إذن آليات تحقيق هذا المشروع المجتمعي في بلدنا وفي ريفنا العزيز؟ هذا الريف الذي لعب عبر التاريخ أدوار طلائعية دفاعا عن وحدة البلاد وذودا عن إنسانه ومكونات هويته.

في إطار محاولتنا الإجابة عن التساؤل السابق، سننطلق من مقارنة وضعنا الحالي، كبلد نامي، بالبلدان التي أضحت تشكل لساكنة الجنوب ذلك الفردوس المفقود. وهكذا، فإذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الشعوب التي غدت تعد اليوم قدوة ونموذجا يحتذى به في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، نجد أن القاسم المشترك الذي جمع ويجمع بينها وسمح لها بالنمو والتطور يكمن في عامل الاستقرار. لكن حينما نقول الاستقرار فإننا نعني بذلك الاستقرار السياسي والاجتماعي وحتى النفسي، مع إيماننا المطلق بأن هذا المفهوم، أي الاستقرار، لا يعني السكونية والجمود، بل الأمان والسلم في الحياة والعرض والممتلكات، السلم الذي يوفر المناخ الملائم للتطور، مع حق الاختلاف الذي يخلق دينامية بناءة داخل المجتمع وليس الخلاف المفضي إلى التعنت والتعصب. ومن هنا يمكن القول بأن غياب هذا العامل/الشرط قد يشكل عائقا يحول دون تحقيق الشعب، وأي شعب وفي أية بقعة أرضية من هذا العالم، لطموحاته ومراميه، ولا تتوفر له بذلك تلك الظروف المساعدة على الانطلاق إلى الأمام حتى يبدع ويخلق وينتج. ولنا في مجتمعات دول الجنوب وما تعانيه من ويلات واقتتالات وتطاحنات وخلافات من النماذج ما نستدل به على ما نقول.

إن الريف، عبر تاريخه الطويل الممتد لقرون عديدة، واستنادا إلى ما كتب ودون من لدن المؤرخين والدارسين والباحثين، وما تواتر شفويا من الحكايات، لم يشهد هذا العامل، أي الاستقرار المفضي إلى التمدن والطمأنينة والدعة والسكينة في كثير من حقبه التاريخية، بل كان مجال تنافس وصراعات، تخبو أحيانا وتطفح أحايين أخرى، تبعا لما ينشأ من علاقات وترابطات بين قواه الداخلية، وبينه وبين القوى الخارجية. ذلك أن موقعه الجغرافي على الواجهة المتوسطية للمغرب، وعبر العصور التاريخية المتعاقبة، غالبا ما كان [ الموقع ] يساهم في تغييب عنصر الاستفرار المشار إليه سلفا. فالمنطقة كانت مسرحا لغزوات وتدخلات خارجية غالبا ما كانت تغذي صراعات داخلية مستمرة ومتلاحقة على مر العصور والأزمان، وهي أحداث كثيرا ما ولدت حركة للسكان ونزوحهم إما نحو المرتفعات التي تقل فيها الموارد الاقتصادية، أو نحو جهات أخرى من المغرب أو الخارج، تلك الجهات التي استفادت من العمالة الريفية وخبرتها وفكرها، وتلك العمالة التي تشتتت عبر العالم والتي يظل الحنين والشوق لبلدها الأصلي هاجسا يؤرق مضجعها، فتشتتت بذلك أفكارها ويتوارى عنها عامل الاستقرار، مما يجعلها لا تستفيد بما يمكن أن ينمي قدراتها وإمكاناتها.

فما هي إذن أبرز الوقائع التاريخية التي عرفتها منطقة الريف والتي أوصلته إلى ما هو فيه وعليه الآن، في وقتنا الحاضر؟ وكيف يمكن له أن يتجاوز ذلك حتى يكون في مستوى طموحات أبنائه وآمالهم وأحلامهم؟ وما هي الآليات والميكانزمات الممكن توظيفها ونهجها حتى يتحقق ذلك المبتغى الذي نصبو ونتوق إليه؟

من المؤكد أن الإجابة عن هذا التساؤل ستدفعنا، شئنا أم أبينا، إلى الاهتمام بالتاريخ، ذلك التاريخ الذي لا يركز على رصد الوقائع الحربية والسياسية وتعاقب ولاية الملوك والحكام فحسب، بل تاريخ بأبعاده الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والعلمية والفكرية. غير أن هذه العملية قد تتطلب من الأدوات والحيز الزمني ما يتجاوز قدراتنا وإمكانياتنا حاليا، لذا سيتم التركيز على بعض المحطات فقط والتي تحمل من الدلالات ما تحمل.

المحور الأول : الريف في الأزمنة القديمة

إن المرحلة السابقة لدخول الإسلام إلى الريف هي من الفترات التاريخية التي يصعب على المرء الإحاطة بها لندرة الدراسات وغياب الشواهد التاريخية الممكن الاعتماد عليها لإعادة تشكيل وقائعها والإلمام بمجرياتها وبما تحكم فيها من عوامل ومحددات، وكل ما نعرفه ووارد في بعض الكتابات النادرة والقليلة هو أن سواحل الريف قد كانت لها جولات مع باقي شعوب البحر المتوسط كالفينيقيين والقرطاجيين والرومان والبيزنطيين والوندال، ومن خلال هذا الاحتكاك نشأت بعض الحواضر مثل مليلية ( روسادير ) في الريف الشرقي، وحاضرة برينتينا التي يعتقد أنها أصل مدينة بادس المندرسة، إذ أنه من خلال زيارتنا لموقع هذه المدينة وقفنا على بعض الأطلال، كبقايا لبناءات وطاحونة تورد الروايات على أنها كانت هوائية، ثم مطامير كانت تستعمل لخزن الحبوب، لكننا لا نستطيع الجزم بالحقبة الزمنية التي تنتمي إليها رغم ما يحكى من روايات شفوية في هذا الصدد. ويبقى البحث الأركيولوجي هو القادر على إماطة اللثام عن ذلك. كما أثارت انتباهنا مجموعة من الكهوف والمغارات التي ولا شك أنها شكلت في الماضي السحيق مآوي لإنسان ما قبل الحقبة الإسلامية في الريف، وما زال بعض سكان المنطقة يستعملونها في الوقت الراهن لإيواء قطعانهم من الماعز.

تورد الكتابات التاريخية القديمة أن الفينيقيين، ومن بعدهم أحفادهم القرطاجيين الذين بنوا إمبراطورية تجارية وترابية عظيمة في شمال إفريقيا عن طريق سلسلة من الاكتشافات للساحل الغربي الجنوبي للمتوسط منذ أواسط القرن السادس قبل الميلاد بعد أن أجبرتهم القوة اليونانية الصاعدة على التخلي عن الحوض الشرقي للبحر المتوسط، قد تمكنت من بلوغ خليج غينيا، وأستحضر هنا رحلات حانون البحرية. وإذا علمنا أن التنقل عبر البحار، آنذاك، كان يتم عن طريق المساحلة، أي بمحاذاة الشواطئ لاتقاء أهوال الأمواج أولا، وثانيا للتعرف على شعوب تلك الجهات الساحلية والبحث عن إمكانية التبادل التجاري معها، فإننا لا محالة سنستنتج بأن الساحل الريفي لم يسلم من هذا التوسع القرطاجي الذي ورثه الرومان فيما بعد. لكن المعطى الغائب عنا في الوقت الحالي عن تلك الحقبة الزمنية، والذي نتوخى من الباحثين في التاريخ القديم للمغرب الذين يجب على مختلف المؤسسات أن تدعمهم وتوليهم بعض العناية وتشجعهم على سبر أغوار تلك المراحل التاريخية ويكشفوا لنا عن وقائعها لنوسع من مداركنا التاريخية المشكلة لهويتنا، هذا المعطى والذي سأصيغه على شكل تساؤل، هو هل كانت هذه المنطقة المتحدث عنها، وفي ذلك الزمن، منطقة مأهولة، عامرة؟ أم أنها كانت غير ذلك مما جعلها لا تثير فضول واهتمام تلك الشعوب البحرية، فنفرت منها وسارت تبحث لها عن أماكن أخرى فيها من الموارد ما يغنيها عن المغامرة والمجازفة في أدغالها، سيما وأن بعض الإشارات الواردة في بعض المؤلفات تشير إلى كثافة وتنوع الغطاء الغابوي بالمنطقة؟

ومع ذلك، فما تكشف عنه بعض المحاولات الأركيولوجية الخجولة في الريف الشرقي، وما هو وارد في بعض الكتابات من كون الشمال المغربي، ونعني بذلك الريف بطبيعة الحال، يجعلنا نرجح، بل نومن بأن الريف قد كان مأهولا في ذلك الزمن السحيق، وشكل مجال استقرار لما يعرف بإنسان وهران وتافوغالت، ولا شك أنه قد تناسلت من هذا الإنسان سلالات تكيفت مع هذا المجال الطبيعي. لكن، وبحكم ضعف كثافتها وتوالدها وظروفها الصحية وخضوعها للمحددات الطبيعية، لم تتمكن من الاستقرار والتطور والتكاثر إلا في المراحل التاريخية اللاحقة. ومع ذلك، وبالرغم من نفوذ القوى السياسية الكبرى المتحكمة في المشهد السياسي في العالم المعروف آنذاك، تمكنت من إنشاء كيانات سياسية همت كل شمال إفريقيا ومنها مملكة نوميديا التي برزت في إفريقية، أي تونس الحالية، وامتد نفذها السياسي غربا حتى وادي ملوية، ثم المملكة المورية في موريطانيا، أي المغرب الأقصى تحت الوصاية الرومانية. هذه الأحوال هي التي تنسحب أيضا على الحقبة الرومانية والبيزنطية في ما بعد. وما دامت منطقة الريف تشكل جزءا من هذا الفضاء الجغرافي، فإنها ولا شك قد تأثرت بكل تلك التقلبات السياسية. لكننا لا نستطيع الإسهاب في توضيح ذلك لغياب المعطيات التاريخية المحلية المدونة. أما الريف، باعتباره مجالا وإنسانا فلن يبرز في صناعة الحدث التاريخي المدون من لدن المؤرخين والإخباريين بشكل كبير إلا خلال الحقبة الإسلامية.

المحور الثاني : الريف خلال الحقبة الإسلامية

بعد دخول منطقة الريف ضمن المجال الذي امتدت عليه الدولة الإسلامية في اتجاه الغرب بشمال إفريقيا منذ آواخر القرن الأول الهجري، وفي إطار تشجيع استقرار الأسر العربية بالمناطق المفتوحة، برزت أولى الحواضر في الريف، تلك الحواضر التي سيكون لها شأن عظيم في سيرورة الأحداث التاريخية المميزة المنطقة خلال العصر الوسيط، وهي أحداث نعتقد أنها لم تساهم قط في خلق ظروف وشروط الاستقرار لإنسان المنطقة حتى ينمي أنشطته المختلفة.

فمع بداية القرن الثاني الهجري برزت مدينة نكور، وهي من أولى مدن الغرب الإسلامي والتي تذكر وتجمع المصادر التاريخية أنها عاشت بين 710 و 1015 ميلادية ( 91 - 406 هجرية )، وذلك على يد إحدى الأسر اليمنية حسب بعض الدراسات، أو أسرة أمازيغية حسب رأي آخر، مع ترجيحنا لكفة الرأي الأول تمشيا مع الاستراتيجية التي اتخذتها القيادة العسكرية الإسلامية آنذاك والمبنية على التقرب من السكان الأصليين ومحاولة الاندماج معهم لترسيخ الديانة الإسلامية ونفوذ الإدارة العربية الأموية ونشر ثقافتها ولغتها بحكم الرابطة القوية بين اللغة العربية والديانة الإسلامية، وباعتبار تلك اللغة لغة الدين. وبالرغم من محاولة أمراءها التعايش مع الكيانات السياسية الأخرى المؤثثة للمشهد السياسي المغربي آنذاك، إلا أن إرادة خصومهم كانت أقوى، فتوالت عليها النكبات، الواحدة تلو الأخرى.

بعد التأسيس، وبعد مرحلة من استقرار قصيرة سمحت في حدود معينة بالشروع في بناء أجهزتها السياسية والإدارية، وبنوع من العمران والتعمير والتطور، جاءت مرحلة النكبات. ففي عام 144 هجرية غزاها المجوس لمدة ثمانية أيام حسب المصادر التاريخية، والمجوس هم سكان أوربا الشمالية الإسكندنافية، أي الفيكينغ الذين دفعتهم ظروفهم الطبيعية القاسية إلى الخروج نحو العالم بحثا عن الموارد الاقتصادية، وقد أعقبت هذا الغزو سلسلة من الحروب والتطاحنات الداخلية بين الأمراء حول السلطة في الوقت الذي بدأت فيه الأسرة الحاكمة سياسة التوسع في اتجاه الجنوب والشرق والغرب أيضا، وهذا ما زج بالإمارة في صراع مع القبائل الأخرى، بل وحتى باقي الكيانات السياسية المعاصرة لها.

أما النكبة الثانية التي لحقت بهذه المدينة / الإمارة فتأتي في إطار الصراع المذهبي الشيعي السني، والتنافس السياسي بين الفاطميين الذين برزوا كقوة ترتكز على المرجعية الشيعية في بناء مشروعها السياسي والمذهبي، وبين الأمويين بالأندلس الحاملين لمشروع إعادة إحياء مجدهم السياسي الكامن في الخلافة الأموية السنية ولا سيما في عهد عبد الرحمن بن هشام، وذلك بعد طردهم من المشرق على يد العلويين وأبناء عمومتهم العباسيين. هذا الصراع الذي كان وبالا وخيما على المدينة / الدولة بحكم موقعها طيلة القرنين الخامس والسادس الهجريين.

لقد بدأ تكالب النكبات العسكرية وما جرته من ويلات وعدم استقرار سياسي واقتصادي وعمراني سنة 405 هجرية على يد مصالة بن حبوس، قائد الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، فكانت النتيجة انهزام الأمير النكوري سعيد بن صالح واستباحة المدينة وسبي النساء والأطفال، بينما باقي الأمراء عبروا إلى مالقة فرارا من البطش الفاطمي ولم يعودوا إلى النكور إلا بعد مدة من الزمن ( حوالي 6 أشهر ) بعد مغادرة مصالة لها والانتصار على قائده دلولا.

ما يهمنا من هذا الحدث هو أنه ساهم في ربط الصلات السياسية بالأندلس الإسلامية السنية وفي بداية خضوع ودخول إمارة نكور تحت النفوذ الأموي الأندلسي. ذلك النفوذ الذي سيجر على منطقة الريف الويلات تلو الأخرى انتهت بتدميرها نهائيا على يد يوسف بن تاشفين في سياق حملته على شمال المغرب للعبور إلى الأندلس حيث تذكر المصادر التاريخية أنه دكها دكا ولم تعمر بعد.

أما الحاضرة الثانية التي كان لها شأن عظيم في تاريخ الريف خلال العصر الوسيط فهي مدينة بادس والتي كانت صلة الوصل بين عدوتي الأندلس والمغرب بحكم موقعها الجغرافي المنيع الذي جعل منها مرفأ لتصدير واستيراد السلع، ومعبرا للمجاهدين وللحضارة الشرقية نحو الأندلس خاصة وأوربا بصفة عامة.

وتأسيس هذه المدينة وتاريخ ظهورها كحاضرة يبقى غامضا، كما يلف الغموض أيضا مؤسسها، لكن من المرجح أنها برزت بعد مدينة النكور حسب بعض المراجع، وكانت تضم حوالي 320 دارا وجامعا أعظما كملتقى للعلماء الوافدين من الأندلس وفاس وسبتة، ثم مساجد أخرى، إلى جانب القلاع ورباطات للمجاهدين. وكانت، حسب بعض المصادر التاريخية مدينة تجارية وميناء لمدينة فاس على البحر المتوسط، تفد عليها سفن من الأندلس وجنوة والبندقية، وبلغت أوج نموها الحضري والاقتصادي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وخلال عدة زيارات ميدانية قمنا بها لموقعها الأثري، كما أشرنا إلى وذلك سلفا، وقفنا على عدة أطلال وشواهد غطتها إرسابات الوادي، والبعض منها كشف عنها الجريان القوي لهذا المجرى المائي. أما الكشف النهائي عن هذه المعلمة التاريخية فإنه لن يتأتى إلا بالبحث الأركيولوجي الذي سيسمح لنا بالتعرف على عظمتها ونموها في تلك الحقبة الزمنية، ذلك الازدهار ، النسبي بطبيعة الحال، والذي لم يستمر. فلماذا؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تقودنا إلى الإشارة إلى ما تكالب عليها من نكبات ذلك أن ازدهار نشاط القرصنة البحرية في البحر المتوسط عقب سقوط آخر معقل إسلامي بالأندلس كان عاملا حاسما في تقهقر المدينة وبداية أفول نجمها، ذلك أن ملك البرتغال سواريث مونتانس عمد إلى تشييد حصن القلعة، وهو قلعة طوريس، وذلك بالقرب من المدينة في أفق كبح جماح القراصنة. أما في 1508 فقد تعرضت المدينة للغزو الإسباني لأول مرة على يد الكونت بدرو نفارو الذي قرر بناء قلعة على الصخرة المقابلة لليابسة والتي استقرت بها حامية عسكرية أخذت على عاتقها مهمة إضعاف المدينة سياسيا واقتصاديا وذلك بقنبلتها ومحاصرتها والحيلولة دون حصولها على مؤنها ومددها عن طريق البحر.

في سنة 1554 ستدخل الصخرة والمدينة تحت حكم الأتراك بعد صفقتهم السياسية مع أبي حسون الوطاسي حينما ساعدوه على استرجاع عرشه ورغبة هؤلاء في جعلها قاعدة عسكرية في إطار التنافس التركي العثماني الأوربي الصليبي بالحوض الغربي للبحر المتوسط. لكن، وبعد عقد من الزمن، أي بتاريخ 2 شتنبر 1564 استعاد الإسبان سيطرتهم على الصخرة، بعدما تعززت آلتهم العسكرية بجنود مرتزقة ألمان وصقليين وإيطاليين في إطار التحالف الصليبي، بل عمدوا إلى تدمير المدينة نهائيا مع الاحتفاظ بالصخرة المقابلة لها إلى يومنا هذا.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن التنافس بين القوى القبلية والسياسية في المغرب الوسيط قد كانت له تأثيرات عميقة على المنطقة وساهمت في تغييب واستتباب الأمن والاستقرار. وأعود هنا إلى الفترة الزمنية التي أعقبت وفاة إدريس الثاني وما شهدته من تطاحن بين الأمراء حول السلطة والحكم لا سيما وأن بعضهم عين على بعض جهات الريف، وأخص بالذكر هنا منطقة تيكساس، كممثل للسلطة المركزية. وحينما استشرى الصراع بين الإخوة الأعداء، وتفتتت الإمارة الإدريسية، شكل المجال الريفي ملاذا لبعض أمرائهم حيث استقبلوا لاعتبارات قد تكون سياسية أو دينية. وعموما تتواجد بالريف، حسب بعض الروايات، سواء المكتوبة أو المتواترة شفويا، أسر يعتقد أنها تعود في جذورها وأصولها إلى تلك الأسر الإدريسية، وهذا ما جعل أفراد هذه الأسر يحملون لقب الشرفاء، وفي كل قبيلة نصادف هذه الظاهرة والتي تحتاج إلى بحث وتدقيق وتمحيص لإزالة ذلك الطابع الأسطوري عليها.

وحينما بدأت السلطة المرابطية، وفي معقل دارها بالجنوب المغربي، تواجه معارضة شرسة من لدن عصبية قبلية أخرى، وهي العصبية المصمودية، في إطار المشروع المذهبي السياسي التومرتي، تشير المصادر التاريخية إلى أن بعض جهات الريف الشرقي لم تسلم من هذا التنافس. ذلك أن الموحدين، وفي أفق استنزاف القوة المرابطية بعدما تولى القيادة السياسية والعسكرية عبد المومن الكومي، التجأ إلى مرتفعات الأطلس أولا، ثم الريف ثانية وذلك لعزل الآلة العسكرية المرابطية والتي انهارت قواها لينتهي بها المطاف إلى الاستسلام للأمر الواقع، وتنتهي فصول هذا الصراع بتأسيس الدولة الموحدية التي ستجعل من مدينة بادس أحد موانئها الرئيسية على الساحل المتوسطي كصلة وصل بين المغرب الموحدي وبعض المدن الإيطالية وحتى في اتجاه إفريقية والمغرب الأوسط، وخاصة أن السلطة الموحدية كانت تعتمد بشكل كبير على الأسطول البحري لربط غرب الإمبراطورية وشرقها. وبالطبع، فإن الموقع الساحلي للريف سيسمح له بلعب دور أساسي في هذا المجال مما كان له الأثر الكبير على هذه الحاضرة الريفية كما أوردنا فيما سبق.

هكذا يظهر لنا أن منطقة الريف، حينما أتيحت لإنسانها ظروف استقرار نسبي في العصر الوسيط، برزت بها محاولات التطور والنمو العمراني والحضري والفكري، بدليل أن الحاضرتين المتحدث عنهما سلفا كانتا بمثابة مراكز استقرار للأدباء ورجال الفقه ومختلف حقول المعرفة البشرية المتداولة في ذلك الزمان. كما شكلتا صلة وصل بين ضفتي البحر المتوسط، وبين مشرق العالم الإسلامي وغربه، فساهمتا في التبادل الحضاري والفكر الإنساني، وكان بإمكانهما أن تبلغا أكثر من ذلك لو توفر شرط الاستفرار السياسي الذي أشرنا فيما سبق.

أما إذا انتقلنا إلى العصر الحديث، العصر الذي خرجت فيه أوربا من قمقمها، مبرزة فتوتها، وبعد أن صفت حساباتها مع المسلمين بالأندلس أواخر القرن الخامس عشر الميلادي ونقل صراعاتها معهم نحو الضفة الجنوبية من المتوسط، أي في عقر دار الإسلام، فإننا نجد أن الساحل الريفي لم يشهد قط فترة هدوء ولا استقرار. ذلك أن المنطقة كانت مسرحا للتنافس المستمر والمسترسل بين الأوربيين، من جهة، إما دفاعا عن حدودهم الجنوبية أو بحثا عن الثراء والغنى سيما وأن الميركنتيلية بدأ نجمها في السطوع، وبين المسلمين المجاهدين من جهة أخرى ضد الكفرة الصليبيين المعادين. ومما نتج عن هذا الصراع الوجودي الحضاري السياسي الاقتصادي احتلال مدينة مليلية سنة 1497، وسبتة سنة في سنة 1415، وجزيرة نكور سنة 1673، وجزيرة بادس سنة 1564 كما أسلفنا الذكر، وإلى تكالب الأوربيين ولا سيما الفرنسيين والإسبان على الساحل الريفي خلال القرن التاسع عشر بحثا عن الإلدورادو وما تلاه من فوضى غدت تعرف في الأدبيات التاريخية بالريفوبليك، وهي الأحداث التي توجت بالثورة الريفية الأولى على يد محمد بن عبد الكريم الخطابي مع مطلع العقد الثاني من القرن العشرين مستفيدا من انتشار ثقافة ووعي مناهض للاستعمار حفاظا على الكرامة والحرية والحقوق السياسية وبحثا عن سبل التحديث بالاستفادة من تقدم الأمم الأخرى. وبعد الانتصارات العسكرية الأولى بما توافر من الأسلحة البسيطة وشدة ومراس المجاهدين الأشاوس على استعمالها، شرع في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية معتمدا وموظفا الخصوصيات المحلية في أفق التطوير ومواكبة التحولات العالمية آنذاك. لكن هذا المشروع أثار مخاوف عدة، لذا قوبل بالجبروت والطغيان وضيق في الأفق السياسي للمؤسسات وبعض النخب المغربية آنذاك والمتخوفة من كل ما من شأنه أن يضر بمصالحها ومواقعها، فكان مصير هذا المشروع تأخير عجلة التنمية ردحا آخر من الزمن. ذلك أن الحقبة الاستعمارية الإسبانية بالشمال بصفة عامة وبالريف على الخصوص لم تساهم قط في توفير آليات لاستقرار الإنسان في هذا المجال من قبيل البنيات التحتية والمشاريع الصناعية والخدماتية، بل عمد الإسبان إلى استغلال الإمكانات الطبيعية المتوفرة والمتاحة خدمة لمصالحهم الاقتصادية والسياسية، قترك الريف والريفيون عرضة للتهميش والإقصاء والإبعاد عن كل ما يمكن أن يشجعه على الاستقرار للتفرغ للبناء والتطور.

ومع فارق بسيط يكمن في اختلاف الممثلين، سيحدث نفس الشيء عقب انتفاضة الريف في أواخر خمسينيات القرن العشرين لما تبنت السلطات السياسية في البلاد أسلوب الانتقام الجماعي من المنطقة عقابا لها على مواقفها السياسية وتشبثها بتاريخها وبرموزه وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية وبحقها في التعبير، وبذلك تعمق تأخر المنطقة مرة أخرى، بل وحتى لا تقوم قائمة لهذه المنطقة مستقبلا، وحتى لا تكون مصدر إزعاج، شرع في مسلسل اقتلاع إنسان المنطقة وتهجيره بعيدا عن جذوره ليظل مشتت الذهن والتفكير، قد يحقق بعض الطموحات الذاتية المادية، لكنه لا يمكن له أن يشكل عقلا يفكر، يبدع، في مختلف المجالات. فهل ما أوردناه من الوقائع التاريخية السابقة وفرت لإنسان الريف ذلك الاستقرار المادي والنفسي؟ وهل سنستمر على ما نحن عليه؟ أم أن الوقت قد حان لتجاوز مخلفات الماضي الأليم والتفكير فيما يمكن أن يخرجنا من هذه الدوامة؟

بعد هذا الجرد لا بد لنا من التساؤل عن دورنا نحن في الوقت الراهن ومسؤولياتنا تجاه هذا الإرث الحضاري الذي يشكل جزءا من هويتنا والذي يمكن استثماره في تنمية منطقتنا.

ريف المستقبل: المصالحة والعدالة الانتقالية

إن التململات الأولى لتجاوز مخلفات الماضي المغربي الأليم بعد الاستقلال قد بدأت في تسعينيات القرن الماضي بمساهمة العديد من التأثيرات الخارجية منها انتهاء الحرب الباردة وبروز مقاربات جديدة لحقوق الإنسان المختلفة، ثم تأثيرات داخلية سيما نشاط الهيآت الحقوقية المتعددة وإرادة الجهاز الحاكم في الإعداد والتهيئ للانتقال السلمي إلى مرحلة سياسية جديدة، فكان العفو الشامل عن السجناء والمنفيين والمغتربين، وكان إحداث عدة مؤسسات رسمية كوزارة حقوق الإنسان والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان انصب اهتمامها على إيجاد صيغة توافقية لموضوع الانتهاكات الجسيمة في المغرب، ثم جاءت في الأخير هيأة الإنصاف والمصالحة التي تم تنصيبها رسميا بتاريخ 7 يناير 2004 في آخر المطاف لتتوج إرادة الجهاز الحاكم في طي صفحة الماضي لاستشراف مستقبل قد يوفر نوعا من الاستقرار السياسي للتفرغ لمشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا بالإضافة إلى ما شهده مجال حقوق الإنسان من تطور جاء كنتيجة للدور الذي اضطلعت به هيآت المجتمع المدني مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وبالخصوص منتدى الحقيقة والإنصاف الذي صادق جمعه التأسيسي سنة 1999 بمدينة الدار البيضاء على وثيقة تتضمن الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضرورة اعتراف الدولة بمسؤوليتها ورد الاعتبار وجبر الأضرار والتعويض المادي والمعنوي للجماعة والفرد، ثم القيام بالإصلاحات القانونية والمؤسساتية للحيلولة دون تكرار مآسي الماضي.

وهكذا، وباستفادتها مما تراكم من إيجابيات في الحقل الحقوقي بالمغرب، وحتى وإن كان ما زال دون طموحات المكتوين بنار الانتهاكات والتجاوزات، فقد بادرت هذه الهيأة في أواخر شهر دجنبر الماضي إلى الشروع في تنظيم جلسات الاستماع العمومية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، بدءا من السنوات الأولى للاستقلال إلى آواخر القرن الماضي ( ما بين 1956 و 1999 )، وذلك بشكل مباشر عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الرسمية وأمام أزيد من 400 شخص يمثلون الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان الوطنية والدولية، وهي بادرة محمودة لم يكن أحد فيما مضى يعتقد ويؤمن بأنها سوف تحدث في يوم ما في هذا البلد الأمين. كما بدأت منذ الأسبوع الأخير في تنظيم جلسات حوار تستدعي إليها مفكرون وأساتذة جامعيون لدراسة ومناقشة أسباب ومسببات ذلك الماضي الأليم بحثا عن ما يمكن عمله وإصلاحه لتجنب وقوع ما وقع وتكراره مستقبلا. فماذا يمكن أن يستفيد الريف من هذه التململات والتحولات؟

الإجابة الأولى التي يمكن أن نثيرها الآن وفي هذا الصدد، هي أنه لا يمكن لنا إصدار أي حكم أو نتيجة سابقة لأوانها إذ أن الأمور ما زالت غير واضحة بما فيه الكفاية ما دامت الهيأة لم تصدر بعد قرارها وتقريرها النهائي حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب وبالمقاربة التي تنهجها في هذا الصدد. لكن ما هو أكيد هو أن هذه التململات والتطورات في المجال الحقوقي بالمغرب، وهذه المقاربة التي تسير فيها هيأة الإنصاف والمصالحة قد خلقت دينامية ومناقشات وجدالات في وبين مختلف الأوساط، السياسية والحقوقية والفكرية، وبالطبع كل هذه الفعاليات ومهما اختلفت مشاربها ومقارباتها وتصوراتها وغاياتها، فإنها تسعى إلى المساهمة في هذا النقاش / الحركية، سواء تأييدا وتثمينا أو معارضة مطلقة أو بإبداء تحفظات في أفق تطوير هذه التجربة والخطوة للسير قدما في أفق بناء دولة الحق والقانون. وما دام النقاش، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، ما يزال في بداياته، ولهذا الاعتبار، فإنه لا يمكن لنا إبداء أي رأي نهائي قد تدحضه الأيام المقبلة. زد على ذلك أن الظروف الدولية والوطنية، وفي الوقت الراهن، نعتقد أنها تفرض علينا تبني سياسة التسامح والترفع عن الضغائن، بدل التمسك بوازع الانتقام الذي ولا شك، إذا ما استشرى في المجتمع، سيوفر المناخ المناسب لمسئولي ذلك الماضي الأليم من الاستمرار في الوجود وإبداء المقاومة حفاظا على امتيازاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما سيشكل نوعا من الانتكاسة بالنسبة لطموحات المجتمع.

إن الساحة السياسية بالمغرب في الوقت الحالي، وبحكم الحركية التي خلقها موضوع المصالحة، كما أشرنا إلى ذلك سلفا، أضحت تتجاذبها تيارات متعددة، كل واحد منها يتغيى أهدافا قد تتقاطع مع الآخرين أو قد تتعارض، وخطاب البعض من هذه التيارات، وأمام صعوبة الإقناع والاقتناع بمبرراتهم وحججهم عن حجم مسؤوليتهم وأدوارهم التي لعبوها، إما عن قصد أو بدون وعي، عن ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، قد وصل به الأمر إلى حد توظيف أسلوب الاستفزاز والتجريح، ويعتبرون أن تموج به الساحة السياسية المغربية حاليا قد يهدد استقرار ووحدة البلاد، بل يعتبرون ذلك نوع من المؤامرة اليسارية الهادفة إلى تغيير وتقويض أسس الملكية في المغرب. وهو أسلوب منبوذ ومرفوض جملة وتفصيلا.

النوع الثاني من هذا الخطاب نجده عند بعض اليساريين الذين يرون في مقاربة هيأة الإنصاف والمصالحة وفي شهادات المكتوين بنار الطغيان نوعا من المسخرة يراد بها إيهام الرأي العام الوطني والدولي بأن المغرب قد دخل عهدا جديدا سمته الأساسية هي تغير سلوك الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. بينما الواقع غير ذلك ما دامت الانتهاكات الجسيمة ما زالت مستمرة، ومادام المسؤولون عنها فيما مضى ما زال بعضهم في مناصبه، إضافة إلى أنهم راكموا الامتيازات، وحتى أن بعضهم مسؤول مسؤولية كبرى عن الجرائم الاقتصادية. لذا ولتجنب عدم تكرار ذلك الماضي لابد من الإشهار بأسمائهم في جلسات الاستماع العمومية.

****

ومع ذلك فيبدو في اعتقادنا أن العلاقة التي نشأت بين الريف والسلطة المركزية، وبحكم الإرث التاريخي، هي علاقة الحذر والاحتراز وغياب الثقة بين الطرفين. وبطبيعة الحال، فإذا كان لهذه العلاقة ما يبررها في الماضي، فإنها في الوقت الحالي، نعتقد أنه يجب أن تتغير خدمة للأجيال المقبلة التي لم تورث من الماضي سوى الويلات.

إن ما نتوخاه ونترقبه، كمدخل لتجاوز الماضي في الريف، من الدولة ومؤسساتها، هو الإقرار بأن ما وصلت إليه المنطقة جاء فعلا كنتيجة لسياسة ونظرة خاطئة تحكمت فيها الهواجس والتأويلات أكثر مما كانت استجابة لدواهعي ومبررات معقولة ومقبولة. وانطلاقا من هذا المعطي نعتقد أن من واجب الدولة الإقرار بذلك وبالتالي توفير ما يكفي من الشروط الضرورية لتتجاوز ذلك الماضي الأليم ولا تخطئ مرة أخرى موعدها مع التاريخ، وذلك عن طريق:

-  توفير الشروط الملائمة لحياة كريمة وآمنة عن طريق ضمان سبل العيش حتى يتمكن الفرد من المساهمة في بناء المجتمع والمنطقة التي ولد من رحمها وغرف من مائها وزرعها. وحينما نقول الشروط فإننا نعني بذلك الشروط السياسية والاقتصادية، الفردية والجماعية، تمشيا مع ما تدعو إليه المنظمات الدولية في إطار التنمية البشرية التي تؤكد على أن الإنسان هو جوهر التنمية، وهي تنمية الناس بالناس وللناس.

-  أن تولي الدولة ومؤسساتها الوطنية والمحلية للمنطقة ما يمكن وتستحق من امتيازات لتسهيل عملية الانطلاق والإقلاع التنموي.

-  أن تساهم الدولة في توفير البنيات التحتية الضرورية لكل تنمية مستقبلية.

ومن زاوية أخرى فيجب أن لا ننسى دورنا نحن، سواء نحن الذين ما زلنا متشبثين بهذا الريف أو أنتم الذين هاجرتم كأبناء المنطقة، ولرد ما علينا تجاهها من دين، أن نساهم، كل من موقعه، في تنميتها. وأعتقد أن المدخل الذي يمكن أن يسمح لنا بتحقيق هذا المبتغى النبيل هو استمرار التواصل بيننا، نحن الذين آثرنا العيش بذلك الريف رغم الإحباطات الكثيرة والمتعددة الأسباب، وبينكم، وأن نتآزر ونتكامل. وفي هذا الإطار أعتقد أنه بإمكانكم القيام بمجموعة من الأعمال التي يمكن أن تشجع إخواننا وشبابنا على الاستقرار بتلك المنطقة، وأن نزرع فيهم الأمل بالمستقبل بدل الإحباط. ونعتقد أنه بإمكاننا إذا ما كثفنا جهودنا وإمكاناتنا المالية وقدراتنا الفكرية الوصول إلى مبتغياتنا دون الاعتماد والاتكال الكلي على الآخر. ومن قبيل الأعمال التي يمكن القيام بها:

-  المساهمة في توفير بعض الشروط لتعميم التعليم والتشجيع على التمدرس عن طريق تقديم بعض المساعدات على شكل أدوات مدرسية أو معونات مالية قد تنجز بعض المرافق الضرورية في بعض المؤسسات التعليمية.

-  قبول التضحية والتفكير في خلق مشاريع في بعض القطاعات الاقتصادية التي تمكن من استغلال ما هو متاح ومتوفر من الموارد وعدم انتظار أطراف أخرى، من باقي أجزاء البلاد أو من الخارج ليلعبوا هذا الدور، إذ أننا نعتقد أن هذا الإقليم يتضمن من الموارد ما قد تدفع الفرد إلى اتخاذ المبادرة، وبالطبع شريطة أن تتوفر لدى الدولة ومؤسساتها الجهوية والإقليمية النية الحسنة والإرادة.

ومهما بدت لكم ما يمكن أن تقدموه للريف ولإنسانه من أعمال بسيطة، فإنها ولا محالة ستخفف من حدة المعاناة وشظف العيش وزرع الأمل في نفوس الأجيال الناشئة التي لا نريد لها المغامرة والمجازفة في عرض البحر المتوسط سيما وأن ما كان يعتقد بأنه الفردوس قد تحول، للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها بلدان الشمال، إلى جحيم. كما نعتقد أنه آن الأوان لإبراز إمكاناتنا وقدراتنا، وما نبتغيه هو توفير ذلك الاستقرار وتلك الطمأنينة.

حرر هذه المسودة بالحسيمة للمشاركة بها في مدينة روزندال الهولندية بتاريخ 26 فبراير 2005 في إطار الأنشطة التي أشرفت عليها جمعية جوبا الثاني بمناسبة مرور عام على الكارثة الطبيعية التي حلت بالريف.

انظر شهادة السيد جمال أمزيان خلال جلسة الإستماع الأولى بالرباط

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma