Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

هيئة الإنصاف والمصالحة على مشارف إكمال عملها

تستعد هيئة الإنصاف والمصالحة لتقديم تقريرها في أفق نهاية الشهر الجاري، دون أن يعني ذلك الإغلاق الكلي لملف الانتهاكات التي عرفها المغرب في العقود الماضية، تلك هي الخلاصة الأساسية للقاء الإعلامي الذي نظمته كل من هيئة الإنصاف والمصالحة وفيدرالية الناشرين بالمغرب ليلة السبت الماضي، تناقش فيها الحضور عددا من قضايا طي صفحة الماضي طيلة أزيد من أربع ساعات.

فبحسب ما قدمه رئيس الهيئة وعدد من أعضائها، اشتغلت الهيئة طيلة الأشهر الماضية في محاور وملفات معقدة ومتعددة، أطرتها عدد من التساؤلات حول حجم الانتهاكات التي عرفها المغرب، وهل تم ذلك في مختلف المراحل؟ وهل كانت تندرج في إطار نفس المنطق الاستراتيجي القائم على القمع كمبدأ، أم كانت في إطار ردود فعل أمنية حصلت أثناءها تجاوزات؟ وما هي السياقات التي أطرت الانتهاكات؟ وأي منهج سيعتمد للوصول للحقيقة؟ وهل عملت الهيئة في تحديد المسؤوليات؟ وأية توصيات مستقبلية لما بعد الهيئة، سواء لإصلاح ما ينبغي إصلاحه أو دعم ما جرى إصلاحه؟ وهي تساؤلات فرضت على الهيئة عملا بحثيا وعلميا.

يمكن القول أن نتائج عمل الهيئة، كان متعدد الأبعاد فمن جهة أولى تم إعداد لوائح بالمختفين مصنفة بحسب المصادر كالعائلات، والجمعيات، والهيئات الدولية والصحافة، وكذا الضبط القانوني لمختلف حالات الوفاة ومدى مسؤولية الدولة عنها، وخاصة حالات الوفاة أثناء أحداث عامة تدخلت فيها قوات نظامية، كما تم الاشتغال على الأرشيفات المتعددة للدولة، كأرشيفات الشرطة والجيش والدرك الملكي، مع الاصطدام بواقع الضعف المسجل في هذا الجانب، والمنظم بقانون يعود لسنة ,1926 من جهة ثانية فجبر الضرر فلم يعد مقتصرا على البعد الفردي (تجاوز عدد المفات 20 ألف ملف) بل تطور نحو مقاربة تهم معالجة الضرر الذي لحق مناطق بأكملها بسبب تدخلات أمنية عنيفة كما جرى في الريف مع بداية الاستقلال، مما جعل عددا من التوصيات المعدة تطرح برامج خاصة بهذه المناطق لإعادة الاعتبار لها، وذلك بعد حوارات تمت مع الجمعيات المحلية، وكذا اقتراح إنشاء صناديق لدعم هذه البرامج الموجهة لقرى أثر عليها القمع.

التفاصيل الآنفة هي جزء من قضية أكبر، فعمل الهيئة ليس مجرد عمل حقوقي يندرج ضمن أطروحات العدالة الانتقالية، بل ارتبط بسياق سياسي خاص، يروم الحيلولة دون تكرار ما جرى في الماضي من جهة، وخدمة مشروع الانتقال الديموقراطي من جهة أخرى، وفي هذا الصدد لا تعتبر الهيئة أنها حصيلة عملها كانت كامل، بل إن أحد أعضائها وضع نسبة 70 في المائة كمؤشر لمدى التقدم في إنجاز الأهداف الموضوعة لها، فجلسات الاستماع مثلا حققت دورا تربويا وبياغوجيا لصالح منطق المصالحة وتجاوز مرحلة انعدام الثقة في المؤسسات من ناحية أولى، وإثبات الاعتراف والإقرار من قبل الدولة لما جرى من انتهاكات من ناحية ثانية، وشكلت الطريقة المغربية نموذجا في العالم بوضعها للضحايا في مواجهة الجمهور، أما الاشتغال على الملفات المقدمة فاقتضى عملا مكثفا في التثبت والتحري والنظر في الطلبات وأفضى ذلك لإعداد قاعدة بيانات مفصلة ما يزال العمل فيها جاريا، وكشفت عدد من الملفات أن تدبير الاختلافات أدى لعنف ليس من قبل الدولة فقط، فمسؤولية الدولة لا تعني أن الضحايا كانوا أبرياء، وأسباب ذلك تمتد من القصور القانوني إلى مدى التشبع بالثقافة الديموقراطية، في هذا السياق تم تنظيم عمليات للانتقال للمناطق التي عرفت انتهاكات وإجراء اتصالات مع الجمعيات والسلطات، والإطلاع على عدد الأرشيفات رغم الصعوبات التي واجهت الهيئة في أرشيفات أخرى، وتم الوقوف على قبور محتملة لبعض الضحايا، وتوسع البحث نحو الاستماع لمسؤولين سابقين عاشوا المراحل المتحدث عنها، لينجز تقرير أولي لبعثة التحريات.

ما بعد عمل الهيئة؟ سؤال مشروع، والإجابة عنه متعددة، ففي ملف المسؤولية عن الانتهاكات، عبر رئيس الهيئة أن هناك توصيات ستسمح باتخاذ قرارات لإبعاد مسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدا في الوقت نفسه أنه حصل تشهير بأشخاص لا علاقة لهم بالانتهاكات، وفي المقابل ستعمل الهيئة على تحديد نوعية المواصفات المطلوبة في المسؤول، وإذا كانت المصلحة الموضوعية للدولة تحتم الإصلاح، فعلى هذا الإصلاح أن لا يتم بطريقة غير عادلة. فقد عبر بنزكري عن الشعور بالظلم إزاء التقييمات التي تصدر للعمل الجبار الذي تقوم به الدولة في مجال الإصلاحات العميقة على حد قوله، كما لا يمكن أن نطلب من الدولة أن تصلح ذاتها لوحدها، ومشيرا إلى التشويشات التي اعترضت عمل الهيئة من جهات مختلفة، كما رفض المقارنة بين الانتهاكات الحالية وبين الانتهاكات الماضية، ففي الماضي كانت منهجية وثابتة في حين أن اليوم هناك إرادة لتجاوز تلك الانتهاكات، وهناك مؤسسات عدة لطرحها، مثل البرلمان والذي هو مؤسسة تشريعية له الحق في مساءلة الحكومة عن الانتهاكات.

من التوصيات كذلك توصية خاصة بالمحفوظات والأرشيف الضخم للهيئة (أرشيف سمعي بصري، ملفات، تقارير التحريات، دراسات ومونوغرافيات، دراسات خبرة)، خاصة وأن هناك أرشيفات شخصية، لكن سيبقى من حق الباحثين الاشتغال على ما هو متاح وفق شروط وضوابط، انتهى اللقاء معلنا عن بدء مرحلة جديدة من عمل الهيئة، وربما ستكون هي المرحلة الصعبة، عندما ستخرج للمجتمع بحصيلة عملها، ويطرح السؤال المتجدد حول المساءلة، والتي عدها البعض في اللقاء نقاشا سياسيا مشروعا لكن لا يمكن إعطاءها بعدا قانونيا حسب وجهة نظره.

مصطفى الخلفي

مقال نشر بجريدة التجديد بتاريخ 6 يونيو 2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma