Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

في أول استجواب له بعد تعيينه رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ادريس بنزكري: المجلس الاستشاري سيفتح نقاشا وطنيا شاملا حول "ميثاق المواطنة"، ويطلق الخطة الوطنية للتربية على حقوق الانسان

توصلنا الى تحديد المقابر وأماكن الدفن، شخصا بشخص واسما باسم، حتى الذين لم تكن أسماؤهم معروفة اكتشفنا أماكنهم

حاوره : عبد الحميد جماهري

أعلن ادريس بنزكري أن المغرب سيعرف قريبا نقاشا وطنيا موسعا حول "ميثاق المواطنة" يحدد التزامات الدولة والمجتمعˇ وأكد ادريس بنزكري، في أول حوار له بعد تعيينه على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الانسان في الأسبوع الماضي، أن القرار بخصوص الميثاق لم يتخذ بعد، لكن عناصر هذا التفكير موجودةˇ كما أعلن بنزكري عن انطلاق الخطة الوطنية للتربية على حقوق الانسان خلال الأيام الجارية، واعتبرها عملا مهما من حيث تنسيق مجهودات الفاعلين والمتدخلين، الحكوميين منهم وغير الحكوميين، وخطوة أساسية في سياق تكريس ثقافة الحق والواجبˇ ومن جانب آخر ألح ادريس بنزكري الذي يزاوج بين رئاسة المجلس وهيئة الانصاف والمصالحة، على أن الحقيقة كاملة سترد في التقرير النهائي للهيئة، بخصوص المقابر وأماكن الدفن ، وأن الصعوبات التي واجهت فرق العمل والتحري قد تم تخطيهاˇˇ

-  تم تعيينكم مؤخرا على رأس المجلس الاستشاري للحقوق الانسان، هناك من يعتبر هذا التعيين بداية مرحلة جديدة، بل إن المرحلة السياسية انتهت أو في طور النهاية ،إلى أي حد يعد هذا الأمر صحيحا؟

" أولا، بالنسبة للتعيين، مهمة صعبة وتتطلب مجهودات كثيرةˇ ولا بد لي من التعبير عن تأثري بالثقة الملكيةˇ وفي نفس الوقت أحسست بضخامة المهمة، فكما جاء في كلمة الملك، هناك قضايا ومستجدات على الصعيدين العالمي والوطني، تبرز فيها العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمواضيع ذات أولوية، وبالتالي فإن المجلس الاستشاري مطالب بأن يجتهد بخصوصها ويضع أولا تصورات بمعايير مدققة، وثانيا يقدم حولها مساهمته، سواء بالدراسة أو بالاستشارة لإعداد سياسات عمومية تكون في مستوى احترام حقوق الانسان في شموليتها وتساهم في البناء الديمقراطيˇ وكل هذا، بطبيعة الحال، في إطار المهمة الأساسية المتعلقة بالدفاع عن حقوق الانسان بصفة عامة، حيث لاوجود لفصل ميكانيكي أو آلي بين مختلف الحقوقˇ فالتصور الدائم والثابت هو أن حقوق الإنسان كاملة وغير قابلة للتجزئةˇ وعليه، فإن البعدين السياسي والمدني سيظلان حاضرين دائما، وإن اختلفت الأولويات، وذلك نظرا لحصول تراكم مهم في التجربة المغربية، وتحققت مكتسبات ومنجزات مهمة ويجب مواصلة ترسيخها سواء كانت مدنية أو سياسية في سياق ترسيخ الانتقال على المستوى الثقافي والفكري وما يتطلبه ذلك من عمل توعية وتحسيس، أو على مستوى التقعيد، الذي لايعد عملية سهلة، بما يقتضيه من تثتيت وتعريف معنى حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية التي لاتتطلب نفس التكلفة المالية والصعوبات التي ترتبط بالحقوق السياسية والمدنية، أكانت الحقوق الاقتصادية تتعلق بالسكن أو بالصحة أو بالتربيةˇˇˇ الخˇ فالتنمية البشرية وتوزيع الخيرات تتطلب موارد مالية ضخمة، ولابد من مراعاتها دون المس بالمبادئ الحقوقية العامةˇ

هذه إذن الفلسفة العامة القائمة على ضرورة حدوث تحول مع الحفاظ على نفس الإطار المرتبط بالحقوق الانسانية باعتبارها غير قابلة للتجزيءˇ

-  ربما اعتدنا بفعل ثقافتنا السياسية أو لأولويات بناء المغرب الحديث، أن تفهم وظيفة المجلس الاستشاري كوظيفة سياسية، فما هي الإضافات الواجبة الآن؟ وماهي خارطة الطريق؟ وهل هناك معطيات جاهزة أم سيتم إعدادها؟

" في هذا المجال، سيدخل المجلس، ولاشك، في عمل تجديدي، لابد من التأكيد، في السياق نفسه وللتاريخ، أن عملية التجديد والتطور هاته بدأت منذ سنوات خلت، وبالأخص في السنوات الأخيرة، أي مباشرة بعد إعادة تنظيم المجلس، حيث حدثت عملية التحضير العام بخصوص الفلسفة والتصور المتعلقين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعيةˇ خلاصة القول إن هناك عملا تحضيريا جاهزا وعملية تحسيسية أولية بالإضافة الى عناصر برامج محددة، تنتظر صياغتها وبلورتها في مختلف المجالات، منها المجالات الكلاسيكية كتقديم الاستشارات والدراسات الخاصة بتدقيق السياسات العمومية في كل مجال (الاقتصادي والاجتماعي) والتي تسهر عليها الدولة والحكومة، ودور المجلس في هذا الباب هو السهر على أن تكون السياسة العمومية مبنية على معايير حقوق الانسان المتعارف عليها وغير قابلة للتجزيء، وفي نفس الوقت، يقدم المجلس اجتهادات عملية في بعض القضايا ذات الأهمية الكبرى، ذلك أن ضخامة وشساعة الموضوع تستلزمان مجموعة من الأولويات، ولكي تكون هذه الأخيرة فاعلة لابد من توفرها على قوة مهيكلة تحاول توجيه هذا العملˇ وعليه لابد من اختيار مواضيع أساسية يكون فيها الاشتغالˇˇ

هناك إلى جانب ذلك، مشاكل منهجية أو مسطرية لابد من الحسم فيها، ولايمكن التمييز بين الحق العام، حق من الحقوق في عموميته، الحق في السكن والصحة والتربية، وبين سؤال القاعدة القانونية التي يجب الاستناد إليها للاحتجاج على عدم توفره، واللجوء الى القضاء، والأمر ليس سهلا كما هو حال ضياع الحق السياسي كالتعرض للتعذيب أو الانتهاكاتˇˇ فالحق في السكن مثلا حق عام، وإن كان من حقوق الانسان، لكن كيف يمكن تحديده وتنفيذه، ماهي الموارد المتوفرة لذلك، كيف تشتغل الحكومة لتهيء الميزانية المرتبطة بذلك، وهل تحترم أم لا مدة معينة لتحقيق ذلك؟ هذه الأسئلة تبين اختلاط الحقوق المعياري الصرف بالسياسة العامة، والميزانية وأولوية الدولة في مرحلة من المراحل الخ، الشيء الذي يتطلب تخطيطا دقيقاˇ طبعا، مجال العدالة الاجتماعية من المواضيع الملحة والمهمة التي سيكون على المجلس أن يعد فيها تصورا دقيقا فيما يخص التنمية البشرية، فهذا المشروع مشروع هائل سينطلق عند نهاية الصيف، ولابد للمجلس من أن يلعب دوره في المقاربة الحقوقية العملية الضخمة، حتى لا تظل اقتصادوية محضة تنحصر في توفير دخل للفئات التي تعاني من الفقر المدقعˇ فإذا كان هذا الهدف مهما في حد ذاته، فلابد أيضا من أن يكون المواطن مشاركا وفاعلاˇˇ وهنا تجدر الإشارة الى أن التعريف الحقوقي ضروري، لأن بدونه يصبح للفقر تحديد اقتصادوي صرف يحرم المواطن من المشاركة في العملية الديمقراطية وتأدية دوره الاجتماعيˇ هذا موضوع تم التفكير فيه، ويبقى الآن العمل على بلورته في خططˇ الموضوع الاساسي الاخر المرتبط بهذا الجانب، يتعلق بإشكالية الحقوق والواجبات في ظل مجتمع متغير، وفي حالة انتقال وتوطيد الديمقراطيةˇ هناك بالفعل إشكالات أفقيةtransversales تمس المجتمع والدولة، سواء فيما يتعلق بالمسؤولية الاقتصادية للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعين كالمسؤولية الاجتماعية للمقاولات في لحظة معينة، ومسؤولية الوسائط الإعلامية في مرحلة الانتقال وتحديد ماهي الحقوق والواجبات والمسؤولية الأخلاقية أو الديمقراطية، وغيرها من المجالات التي ظهرت على الصعيد العالمي وتوجد محط نقاش كبيرˇ طبعا، بطلب من جلالة الملك، بدأنا التفكير في هذا الموضوع، ونحن في طور الإعداد لهذا المشروع العام المتعلق بميثاق المواطنة والذي سنعرضه على الجميع للنقاشˇ ماهي المواطنة الفاعلة في مجتمع يعيش الانتقال الديمقراطيˇˇ

-  بمعنى أن هناك "ميثاق مواطنة" يهيئه المجلس الاستشاري لحقوق الانسان سيعرض على المجتمعˇ

ليس هناك قرار في الموضوعˇ لكن الفكرة العامة تتمحور حول عناصر ميثاق خاص حول المواطنة، ماهي حقوق الانسان الاساسية بالنسبة للمواطنة في مجتمع البناء الديمقراطيˇ

هناك حقوق لابد من تثبتيها، وهناك التزامات وأخلاقيات ومبادئ معينة، لابد من الالتزام بها سواء من طرف الدولة أو من طرف المجتمعˇ وتوضيح حدودها والمنزلقات التي تتهددها ويجب تجنبهاˇ وقد قمنا بعمل دراسي وبحثي لمدة سنة ونصف وقمنا بأعمال تحضيرية شاملة، وآن الأوان للانتقال الى مرحلة أخرى متقدمة لتحقيق بعض الموضوعات، بالإضافة الى عمل استشاري عام، يضم ندوات ولقاءات مع مختلف الفاعلين، كما دأبنا على ذلك، ومن بعد ذلك نصوغ الاقتراحاتˇ

وكما في علمكم، عرف الأسبوع الماضي انطلاق مشروع الخطة الوطنية حول النهوض بثقافة حقوق الإنسان والتي استعملنا فيها نفس الأسلوب، حيث قمنا طيلة سنة ونصف بدراسة خبرة اطلعنا خلالها على كل ماهو موجود في الساحة الوطنية على المستوى المؤسسات الحكومية كوزارة التعليم، والعدل وغيرهاˇˇ وعلى مستوى المنظمات غير الحكومية والعمل التحسيسي غير النظامي، وأعقب ذلك تقييم لنقط الضعف والقوة في هذه التجارب، التي ستظل تجارب رائدة ومهمة بالمقارنة مع ما يجري في دول مماثلة لناˇ وقد اكتشفنا أشياء مهمة كرصيد، كما وجدنا عناصر ضعف، لعل أهمها وأبرزها الذي شكل السبب الرئيسي في كوننا طرحنا الخطة الوطنية لحقوق الانسان، هو غياب تنسيق وانسجام بين مختلف المبادرات والفاعلين والأشغال المهمة المنجزة، فكانت أن وضعنا تصورا، احترمنا فيه مبدأ المشاركة والتشاركية وعرضناه في الاسبوع الماضي على جميع الفاعلين والمهتمين والعاملين في هذا الحقلˇ كما عرضنا المنهجية وطريقة العمل، وسنواصل التفكير في الموضوع لمدة معينة، قبل الوصول الى خلاصة نهائية وتحديد الجهة التي ستقود العملية وتشرف عليها سواء حكومية كانت أو جهة مشتركة متعددة الأطراف، وكلا الاحتمالين موجودˇ

-  في الأسبوع الجاري ستنعقد دورة المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، ماهو جدول أعماله، خصوصا وقد تأخر عرض التقرير السنوي له؟

" ستكون الدورة مخصصة للتقرير السنويˇ فكما ذكرتم حصل نوع من التأخير في تقديم الموضوعات الأخرى المبرمجة، ونحن في طور التدقيق ووضع الترتيبات الأخيرة لكي تدرج في دورة لاحقة، سواء ما يتعلق بالمواطنة أو أسبوع التربية الحقوقية الخ

-  تم تعيينكم على رأس المجلس وأنتم مازلتم على رأس هيئة الإنصاف والمصالحة، وتزامن هذا مع اقتراب نهاية عمل هذه الهيئة، نريد أن نعرف منكم انطباعا ذاتيا وشخصيا حول عمل الهيئةˇ هل حققت ما أرادت وما كان مطلوبا منها؟

" بصفة عامة إحساسي في هذا الخصوص، هو أننا أنجزنا الأمور التي اشتغلنا عليها، أما المدة المتبقية فستكون لإنهاء العديد من الأشياء الأساسية المتعلقة بالمختطفين، وتدقيق الاقتراحات والتوصيات التي سننجزها وإخبار المعنيين بنتائج عملنا بخصوص التعويضات لمستحقيها، أي ما يمكن تصنيفه في خانة الأعمال التكميليةˇ من جهة أخرى، يصعب على من يريد أن يكون موضوعيا أن يقوم بتقدير آخر لعمل اعتبره شخصيا جبارا، بالمقارنة مع التجارب الدوليةˇ لقد كان عملا جبارا، له خصوصيته، وفرادته ضمن التجارب المقارنة ستظهر فيما بعدˇ هذا لا يمنعني من القول بأننا أبدعنا أشياء مهمة، ولا سيما في العملية التواصلية والتي أصفها دائما بأنها عملية تواصلية مجتمعية، بالتقدير اللازم لكل الجمعيات والجهات الخˇ فعلى مستوى الجمهور الواسع كان العمل جبارا وتربويا وضمن استرجاع الثقة أو على الاقل توفير العناصر الضرورية للمجتمع ككل، لكي يشعر أنه يتوفر الآن على كل الفرص والامكانيات لكي يأخذ زمام أموره بيده على مستوى التعبير عن موقف واضح، سواء بالنسبة للماضي أو بالنسبة للحاضر أيضاˇقمنا إذن بمهمة تربوية مهمة، سواء في العمل التواصلي مع مختلف قطاعات الجماهير أو مع الضحايا عبر جلسات الاستماع، بالإضافة إلى أشياء أخرى غير معروفةˇ

أشياء ستعرف من بعد تتعلق بالأبحاث والدراسات والتحاليل الخاصة بالأحداث التاريخية، والسياقات التي وقعت فيها الانتهاكاتˇ وبالرغم من أنها ستنجم عنها المشاكل، فإنها ستضع أرضية عامة ستفتح، على الأقل، نقاشا في صميم الموضوعˇ وقد فتحنا مسالك جديدة، عناصر لقراءات جديدة في هذا الموضوع، ففي بعض الأمور وصلنا الى حقائق ودراسات تحليليةˇ في حين نقدم في مواضيع أخرى مفاتيح من أجل إعادة الكتابة والتركيب للماضيˇ

من جانب آخر، كانت التجربة مهمة بالرغم من كل ما اعترضها من صعوبات سواء تعلقت بالأرشيف أو بالبحث فيه أو التعاون مع السلطات في مختلف الاجهزة والمؤسساتˇ فقد كانت العملية صعبة، لا لفرض هذه السلطات والأجهزة أو لامتناعها، بل لأننا في مرحلة انتقال، والمؤسسات كلها في لحظة تغيرˇ وقد عايشنا من الداخل، ويوما بيوم، البحث عن الحقائق والاحداث والوقائع، نتعلم خلاله ونعلم الآخرين في هذه المراكز، أكانوا مسؤولين جددا أو مسؤولين قدماءˇ فكل طرف منهما له وضع خاص، فالقدماء تحدوهم عقلية "قديمة" في طور التحول، والجدد يجهلون جهلا تاما الماضي، لكن لا ينقصهم الانفتاح على المستقبل بالرغم من نقص الخبرةˇ

-  بخصوص المختطفين ومجهولي المصير، هل هناك حقائق توصلتم إليها ستقدمونها، الى جانب معطيات تجيب عن هذه الاسئلة، لأنها ثقوب سوداء، ليس فقط في ذاكرات العائلات بل حتى في الذاكرة السياسية والوطنية للبلاد ككل؟

" المؤكد أن لدينا إمكانيات لتقديم حقائق مهمة في هذا الشأن، قد لا تكون كاملة وشاملة، لكننا قمنا بدراسات وأبحاث نحن في طور استكمالها ومراجعتها، والتأكد مما توصلنا إليهˇ الملف معقدˇ ويتناول فترات تاريخية معقدة، والقليل من الملاحظين والصحفيين الشبان، لا يدركون بسبب زحمة الوقت أو النسيان، أن الموضوع يتعلق بفترات قديمة، وصعوبة الاشتغال فيه يطرح صعوبة، لأن الزمن يعود الى عشرين الى ثلاثين أو اربعين سنة، والحالات القريبة نادرةˇ وعليه فالمنهج الذي اتبعناه أخذ كل هذا بعين الاعتبار، خصوصا في حالات مثل النزاع المسلح في الاقاليم الجنوبية، التي تكتسي خصوصية معينة، والاحداث التي عرفها المغرب في 65 أو 84، والتي وضع ضحاياها في خانة مجهولي المصير، أو المختفينˇ

لذلك كانت عملية التمحيص والتدقيق في اللوائح والرجوع الى المصادر ومختلف الحلول التي اقترحت، وكذلك مقاربة تاريخية للعمل الحكومي وكيفية اشتغال مختلف الوزارات عمليا في معالجة كل حالة حالة، في تناقضاتها الغريبة والطريفة أحيانا، حيث تقدم المعلومات في البداية، تكون سطحية تم تراجع منذ بعد وتتم تحريات أخرى تبعث إلى الامم المتحدةˇ كل هذا تطرقنا له فترة فترة، وعلى ضوئه قمنا بتحريات دقيقة وصرنا نعرفه حق المعرفةˇ فاخترنا البحث لدى عائلات الضحايا وذوي المصلحة المباشرين، الذين استمدت منهم الهيئة معطيات أساسية، باعتبارها زادنا الذي نعتمد عليه، ثم الاتصال بالسلطات والاجهزة المعنيةˇ وتابعنا كل حالة حالة بالبحث في الارشيفات والمعطيات المتوفرة حول تاريخ الانتهاك وكيفية وقوعه الى غير ذلكˇ

-  لاشك أنكم تابعتم ما طرحته لجنة المتابعة المنبثقة عن الحقل الحقوقي، فما هو ردكم على تقريرها؟

" نحن نرحب بكل الانتقادات، ومع كل احترام للجميع لابد من الاشارة الى نقص كبير في المعلومات الذي اعترى ما قدم حيث استند إلى مصادر عامة غير ثابتة، وبالتي انعدمت المعطيات الدقيقة والمعرفة العميقة بالإشكاليةˇ

وهناك عموميات كثيرة يصعب الاعتداد بها في التقييمˇ وفي هذا الموضوع بالذات انتهجنا أسلوبا صارما، فقد توفرت لدينا معطيات من مصادر مختلفة، درسناها بكاملها دراسة موضوعية، سواء كانت مصادر الجمعيات أو مصادر العائلات أو المنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة أو الضحايا المباشرين، علما بأن المصدر الرئيسي هنا يظل هو العائلات والأسرˇ أما الجمعيات فهي غالبا ما تقوم، بسبب ضعف وسائلها ومواردها، بعملية تجميعية، فهي لا تقوم، بعد ذلك، بعمل التحقيق والتحري والسبب واضح هنا، لأن دورها الاول هو دور التحسيس والنشرˇ

نحن رجعنا الى المصدر الاصلي، ثم بطبيعة الحال، لم يكن أمامنا من وسيلة أخرى غير التحقيق مع الجهة الأخرىˇ فلابد من التحقيق مع الدولة باعتبارها الجهة المسؤولةˇ وفي هذا الاطار، هناك الجهاز الحكومي العام الذي ننسق معه من جهة، وهناك العمل مع كل جهاز جهازˇ وعلى كل فالامور الآن أصبحت معروفةˇ اذ هناك حالات تخص القوات المسلحة عندما يتعلق الامر بالدفاع عن التراب الوطني في النزاع المسلحˇ وقعت فيها أحداث بعضها سمي اختفاءات والبعض الاخر مجهولي المصير، وثالث يسمى اعتقالات، لكنها عموما أحداث تستوجب البحث، وقد قمنا به، سواء بناء على ارشادات أو وثائق أكانت وثائق القوات المسلحة أو وثائق الصليب الاحمر الدوليˇ وهي وثائق جد مهمة، كما هو الحال بالنسبة لحالات تخص الدرك الملكيˇ بعد هذه العملية، نقوم بالمقارنة بما يقوله اقارب الضحايا أو الجمعيات التي تتوفر أو تملك معلومات عينية مباشرة أو بما تقوم به المنظمات في اطار التحسيسˇ وهذه العملية اساسية، ولابديل عنهاˇ

-  ألم تحسوا في لحظة ما أنكم أمام جدار ما، نقطة لا يمكن الغوص فيها كما في قضية المهدي بنبركة؟

" بصراحة، وبناء على تجربتنا، وبالرغم من كل الصعوبات لا نيأس بما في ذلك قضية بن بركة، فبالرغم من أنها قضية شائكة وصعبة، فقد امتلكنا الوسائل للبحث فيهاˇ

والصعوبات وجدناها في كل أعمالنا، لكننا تغلبنا عليها حسب المواضيعˇ في المرحلة الأولى اشتغلنا بشكل دقيق في حالات الاشخاص المتوفين في مختلف مراكز الاعتقالˇ وكما تعرفون المنظمات والجمعيات تتوفر على لوائح بأسماء وتواريخ الوفياتˇ وغالبا ما تكون التواريخ غير مضبوطة، كما تغيب الشواهد والسجلات وحتى أماكن الدفنˇ فصادفنا صعوبات في البداية، كما صادفنا صعوبات مع الاجهزة الحكومية بادئ الامر، فبدنأ البحث بمنهجية دقيقة، وفي الأخير اكتشفنا كل شيء،و أن كل شيء موجود سواء الأرشيفات والسجلات وشواهد الوفيات، علما بأن لكل أمر تقييما خاصا به، ندرسه ونقدر مدى صلاحيته وثبوتيتهˇ فبعد أن نحصل على وثيقة السلطة وروايتها، ثم نتصل بالسكان المحليين والشهود، مما تطلب منها شهورا وأياماˇ إذا ما نحن قمنا بتقييم أولي، سنقول إننا وجدنا صعوبة الآن بعد البحث والتقصيˇ

-  هل يمكن القول بخصوص المقابر وأماكن الدفن وصلتمالى الحقيقة كاملة ؟

" طبعا الآن،بعد البحث والتقصي والمقارنة بين المعلومات من المواطنين والسكان والمسؤولين السابقين والأرشيفات والسجلات المدنية وغيرها، توصلنا الى تحديد المقابر وأماكن الدفن، شخصا بشخص واسما باسم، حتى الذين لم تكن أسماؤهم معروفة اكتشفنا أماكنهمˇ العملية صعبة، لكن عندما تتوفر الارادة والرغبةˇˇ

-  هذه المعطيات تضمنها إذن التقرير الأول الذي تم تقديمه يوم 30 يونيو؟

" تماما، وأعتقد أن العمل المنجز كان جيدا جداˇ نقوم أيضا بنفس الشئ بالنسبة للمختفين ومجهولي المصيرˇ ولدينا قناعة أننا سنصل الى الأساسي من الحقيقة وبشكل جيد وبنفس الطريقةˇ ومن الاشياء التي استنتجناها من الصعوبات السابق ذكرها، ونطرحها على المثقفين والمفكرين هي قضية الارشيف وذاكرة الوطنˇ وأظن أن إحدى التوصيات الاساسية، ستتضمن هذه الاشكاليات التي نطرحها ميدانيا، فهو موجود فعلا، لكنه مشتت وغير منظم، مما يدعو الى تصنيفه وترتيبه وتنظيمهˇ بالاضافة الى صياغة تصور جديد يضمن الحق في الاعلام مع مراعاة ضبط مصلحة البلاد والمجتمعˇ

- ألم تشعرون في لحظة ما أنكم وحيدون، معزولون؟

" في كثير من اللحظات نشعر بهذا الشعور، لكني أعتقد أن مرد ذلك يعود الى طبيعة العملية نفسها وأحيانا يكون عدم الفهم هو السبب، وأحيانا اخرى تكون نيات غير برئية وراءها جهات معينة، وقد تكون سياسيا مشروعة لكنها ذات خلفية لابد من مواجهتهاˇ في بعض الاحيان، يكون علينا أن نفرض على أنفسنا وضعا حياديا وموضوعيا، وفي نفس الوقت أن نواجه مواقف وأفكار مسبقة ظالمة ومضللة من أطراف مختلفة، فإذا كنا على المستوى العام لاحظنا تفاعلا إيجابيا وتعاطفا شعبيا لا نظير له، فبالنسبة للفاعلين السياسيين، وحسب الايديولوجيات والمواقع وجدنا أنفسنا في موقع حرجˇ لا لأننا عاجزون عن الرد أو إقحام الطرف الآخر، بل لأن المفروض هو فسح المجال لهˇ إذ هناك جهات محافظة تواجهك بمبادرات وأطروحات غريبة خارج موضوع النقاش، لكننا نتحاشى الجدال العقيم ونجيب ميدانياˇ فقد واجهنا هجومات وتهجمات ودعايات مضللة من جهات محافظة بشكل مباشر أو ملتوٍ عبر قنوات صحافية، كما واجهتنا جهات أخرى حقوقية، إيديولوجية، راديكالية ومتطرفة سواء إسلامية أو يسارية، لعبت بعض جماعاتها- ولا أقول كلها - دورا سلبيا وأعطت صورة سلبية وغير واقعية وتطرح مواضيع لا يمكننا، بحكم المنهجية المختارة، أن نخوض فيها، كمنهجية التحقيق، وأين وصلت النتائج، في حين يعلم الجميع أن هذا الأمر يتطلب نوعا من التكتمˇ قد يبدو نسبيا متناقضا مع الحق في الإعلام، والحال أن هذا الأخير له ضوابطه وشروطهˇ لهذا، اجتهدنا لكي نظل أقرب مما يكون من الضحايا المباشرينˇ

بهذه المعاني، شعرنا في بعض اللحظات أننا وحيدون، غير أن مثل هذا الشعور كان حافزا على العملˇ

من صميم عمل الهيئة تقديم جواب عن المسؤولية في الانتهاكات الجسيمة، فهذا أمر أساسي وهو الذي سيعطي المفتاح للاصلاحات المستقبلية

تعاون الجيش والدرك والأمن لكشف الحقيقة كان هائلاˇˇ والتجاوب الشعبي مع جلسات الاستماع فاجأ الأجهزة نفسهاˇˇ

في الجزء الأول من هذا الحوار، تناول النقاش آفاق العمل التي سيرسمها المجلس الاستشاري لحقوق الانسان لعمله، والتحولات المتوقعة في وظيفته وأولوياته، اللقاء، الذي تم أياما قليلة فقط بعد تعيين ادريس بنزكري على رأس المجلس الذي كان أمينا عاما له قبل مغادرة عمر عزيمان للرئاسة باتجاه مدريد، تناول أيضا جوانب مهمة من عمل هيئة الانصاف والمصالحة التي يرأسها بنزكري إلى حين إنهاء عملها في نونبرالقادم عبر تقديم تقريرها النهائيˇوننشر اليوم، الجزء الثاني من الحوار المخصص، حصريا، لعمل هيئة الانصاف والمصالحةˇ

-  عبرت بعض الهيآت السياسية عن مطلبها ورغبتها في أن يتم إشراكها في الصياغة النهائية لتقرير هيئة الانصاف والمصالحة، فكيف تنظرون إلى هذا المطلب، من حيث فلسفة انشاء الهيئة ووظيفتها، وكيف ستتعاملون معه؟

فكرة المشاركة في الصياغة، غير سليمة وغير واقعية، وشخصيا لم أتلقاها أو أسمع بها كمطلب اللهم إلاإذا كان هناك من يطرحها بدون تدقيق في المقصود من ورائهاˇ أما المشاركة في التفكير واختيار تحديد موضوعات النقاش وإثرائها وإغنائها، فهي عملية مهمة وضرورية، وكانت هي، في العمق السبب الذي وضعنا لأجله كل البرامج وبالشكل الذي تمت به، أي لقاءات مع الأحزاب في مراحل مختلفة، وندوات تواصلية وجلسات في موضوعات اخترنا لها ندوات عن عمد، سواء في موضوع العنف السياسي وتحليله في سياق التاريخ المغربي، باعتبارها واحدة من الأرضيات التي برزت فيها وبها انتهاكات حقوق الانسان، أو موضوع الحقيقة والاشكالية التي طرحتها كتابة الذاكرة والتاريخ وربط حقيقة الانتهاكات بالحقيقة السياسيةˇ مشكلة المحاكمات والقانون الجنائي المغربي والمسطرة الجنائية وتاريخ المحاكمات السياسية، كانت أيضا محور ندوة تشاركية مع المهن الأساسية المعنية، مثل هيئة المحامين ثم تناول العمل التشاركي شهادات وكتابات الأشخاص المعنيين أنفسهم، سواء في الندوة الأولى حول كتابات السجون والاعتقال أو عبر شهادات جلسات الاستماع العمومية، أو الجلسات الخاصة غير المعروفة والتي همت شهادات أطر عليا وشخصيات وطنيةˇˇˇ الخˇ

إذن عملية الاشراك والمشاركة تمت، ويبدو أن بعض الجهات لم تفهم معنى بلورة التقرير، واعتبرت أنه يختزل في اللحظة الأخيرة وما تعرفه من تعبيرعن الأفكار التي تروج في الذهن، أما التقرير حسب تصورنا فهو نابع من فرضيات كبرى كانت حاضرة لدينا منذ البدايةˇفنحن كما تعرفون لم نأت من فراغ، بل إن المغرب يشتغل على الموضوع منذ 15 سنة على الأقل، والأحزاب السياسية، خصوصا منها الأحزاب المعنية سواء باعتبارها ضحية أو باعتبار أصحابها فاعلين، تمتلك حقائق وقراءات، وقد شرعنا في عملنا انطلاقا من هذه الفرضيات :أي لماذا وقعت انتهاكات في بلادنا؟ لماذا ارتبطت الأساسية منها بعشرين حدثا معروفا؟ كيف يمكن تقييم هذه الأحداث، وكيف يتم تصنيفها، بين انتفاضات اجتماعية وتمردات قبلية جهوية، وصراعات بين معارضات وبين الدولة، كالحركة الاتحادية والماركسية وبعض الصراعات مع الجيش الخˇ الأمر كان معروفا في التاريخ المغربي، وقد حصلت بخصوصه فرضيات ونقاشات وخضع من بعد للنقاشˇ

الشيء المهم والأساسي الذي أ سرنا من بعد، والذي سنعمل على نشره كأجزاء من التقرير، يتعلق بالجلسات مع الأحزاب، وبصراحة، أقول بكل موضوعية أن الأحزاب كلها، يمينا ويسارا التي التقيناها، قدمت مقترحات في مستوى عال من التفكير في هذا الموضوع، في ما يتعلق برؤيتها للمستقبل، وللماضي أيضا وتشخيصها للخلل الذي حصل فيه، سواء تعلق بالقصور في الديمقراطية أو ببناء الدولة الوطنية والأجهزة الأمنية وخطورتها، الاستبداد، السلطويةˇˇ وكثير من التفسيرات والآراء التي استمعنا إليها درسناها الى جانب التوصيات والمقترحات الخاصة بالمستقبل المقدمة من طرف الأحزاب، وغيرها من الأمورˇ وإلى جانب كل هذا قمنا من جهتنا بدراسات في اشكالات دقيقة لاتكفي فيها الشعارات، لذلك طلبنا مساعدة خبراء من مختلف الحساسيات للقيام بدراسات وأبحاث معمقة في موضوعات خاصة، كالدستور، والتشريعات الجنائية والأجهزة الأمنية والقوانين والممارسات، علاوة على دراسات خاصة بظواهر الاختطافات والاعتقال التعسفيˇ في نهاية المطاف كانت حصيلة عملنا هي تراكم الأبحاث والدراسات الأكاديمية والمتخصصة، إلى جانب اقتراحات وأرضيات الجمعيات والأحزاب، والندوات الشعبية التي تم خلالها التعبير عن آراء وانطباعات الناس، المرحلة الحالية التي وصلنا إليها هي مرحلة تحرير وصياغة مشاريع توصيات وآراء: ولابد لي من القول، هنا أننا توصلنا من الأحزاب بتوصيات وآراء جيدة ورائعة ومن مستوى عال، ونحن سنبادر الى طلب المقترحات، والتوصيات وسنكون سعداء إذا كانت هناك أشياء موجودة مبنية على دراسة وخبرة، أما الشعارات والمطالب فلاشك أننا سنستمع إليها بانتباه وامعان، لكننا في مرحلة تقتضي الأشياء المفيدة والقوة الاقتراحية الفاعلةˇˇ فلا شك أن الجميع متفق على أن يكون احترام حقوق الانسان واقعا قائما ودائما، لكن لابد من تصريف هذا في أشياء عملية تطرح أسئلة من قبيل: كيف؟ ومتى؟ وماهي الأولوية الخˇ

-  نحن إذن نتحدث هنا عن مرحلة ما بعد هيئة الانصاف أي الآليات التي تضمن عدم تكرار ذلكˇ

من المحقق أن موضوع الآليات موضوع أساسي، لكن نحن قطعنا مرحلة التشخيص واستمعنا فيها الى آراء وأرضيات، ثم دخلنا مرحلة الاقتراحات والتوصيات لترسيخ حقوق الانسان، قانونا ومؤسسات وممارسة مع ما يستلزمه ذلك من تحديد للمجالات (أي مجال) وكيفية ذلك، والأولويات المطروحة، في ما يتعلق بالقوانين، أكان ذلك مرتبطا بالأمن أو القضاء أو أي جهة كانتˇ لدينا بطبيعة الحال وسائل مختلفة لننجز ذلك، فقبل متم شهر نونبر، سننظم ندوات ولقاءات مع جميع الأحزاب وجميع الجمعيات لكي يتسنى لكل واحد أن يقدم لنا ما يقترحه أو يرغب فيه، كما سنستشيرهم من جهتنا ونطلب رأيهم في بعض الاشكاليات، ونطلعهم على ما وصلنا إليهˇ أما بالنسبة للصياغة- الحسم النهائي، فالصلاحية الوحيدة تعود إلى هيئة الانصاف، ويصعب أن نتصور أنه سنطلب من طرف معين أن يصوغ لنا التقرير ˇ سيكون ذلك تخليا عن مسؤولية الحياد والموضوعية التي تمثل جوهر الهيئةˇ

-  وأنتم تشتغلون في هيئة الانصاف والمصالحة، مدة تبدو كافية، ماهو تقييمكم للاتجاه العام للادارات والمؤسسات، هل كانت تصاحب، بشكل مواز، هذا التطور أم كانت تراقب وتتفرج أم كانت تتلكأ في سيرها نحو الأفق التي فتحته التجربة نفسها للهيئة؟

بالنسب لي الآن، قبل الخلاصة العامة، لاحظت أن أجهزة الدولة صاحبت وواكبت عمل الهيئة بتطور ونوع من التدرج في قيمة التعاون الميداني العملي، وأعتقد أن هذا الأمر طبيعي، ليس لأن المسألة مسألة رضى، أو خلافه، بل لأنها تتعلق بالتعرف على الملفˇ

ففي السابق، كان يتم تناوله بمنظور تقليدي بيروقراطي تقريبا، اي كمعطيات، افكار وحالة افراد مختفين وبحث اداري خاص، في حين ان المقاربة الحالية مقاربة سياسية حقوقية، وهي جزء من التحول الحاصل في البلاد، وبالتالي هناك قراءة في التاريخ تواكبها رؤية للجهاز المعني وكيفية تغييره وتغيير علاقته مع المواطنين، وصلة ذلك بالارشيف والمنهجية المتبعة والدوافع التي تبررهاˇˇالخˇ لقد وقع تطور كبير لمسناه بالملموس في مختلف الاجهزة ، اذ هناك مجالات مثلا اشتغلنا فيها مع وزارة الداخلية، بمختلف اجهزتها المركزية والولائيةˇ وعرفت اجتماعات مطولة على الصعيد المركزي مع جميع الولاة والعمال في المناطق المعنية بانتهاكات، شملت لقاءات تفسيرية وتحسيسية ومناقشة مختلف المناهج العلمية والانتقال الى ميادين العملˇ وخلاصة القول، كان هناك تعاون هائل جدا نتمنى ان يكون هو نموذج العلاقة في المستقبل مع مؤسسات حقوقية اخرى او جهات أخرىˇ وعلى كل فهناك وعي بقيمة حقوق الانسان كبعد افقي في جميع المجالات، وليس باعتباره تخصصا حكرا على جماعة او مجموعة بعينها، فالجميع معني بهˇ

بالنسبة للجيش الملكي ايضا، كانت علاقتنا به جيدة جدا والتعاون معه مهم جدا في الموضوعات التي تهمه، فقد قام بعملية دفاعية ولاشك، لكن كان له تدبيره للاشتباكات والنزاعات والمشاكل التي وقعت ،ومن بعد ذلك يحيل ملف من اعتقلوا او توفوا في الاشتباك على الجهات المختصةˇ فكان لابد من طرح منهجية كيفية اندلاع النزاع المسلح وضوابطه وقوانين الحروب، وان كانت المواجهات لا تتم بين الدول بل بين الدولة وجهات مسلحةˇ الخˇ

اذن كانت العملية عملية تربوية في مجملها شملت كذلك مختلف الجهات الامنيةˇ واجهزة الاستخبارات التي لها علاقة بملفات شائكة الانˇ شملها العمل ومازال مستمرا بخصوصهاˇ

ربما لم يحن الوقت للقيام بخلاصة عامة من الآثار التي نتمناها ايجابية، في ما يخص التعاون الذي حصل، لكن في نظري حصل تطور تدريجي يزداد تعميقا مع مرور الوقتˇ

وهناك ايضا الزخم الشعبي الذي فاجأنا وفاجأ الاجهزة اكثر من غيرها، خاصة في مرحلة جلسات الاستماع عند انطلاقها والتي استمرت من بعد في جلسات شعبية عمومية في الكثيرمن المدن والاحياءˇ فقد تبين تعطش الجمهور للحديث في الموضوع، كمادة تاريخية تعطي دلالة اجتماعية لكل ما تم، حيث لم يعد ينظر اليه كعملية سطحية للحديث عن الماضي، بل تفجرت اسئلة من قبيل: لماذا وقع ما وقع؟ ولماذا يجب الا تقع؟وكيف نحقق ذلك الخ

-  تطرح علينا هذه النقطة قضية المحاكمات والمسؤولية الجنائية وحدودها وحدود العدالة، هل الهيئة ونتائجها ستجيبان عن هذه الاسئلة؟ ومن ثم، هل اجاب المغرب المتدرج في تطوره عن هذه الاشكالية؟

الهيئة مطالبة وستفعل ذلك حتما بالجواب عن اشكالية المسؤولية بصفة عامة مسؤولية الدولة ˇ فهذا امر اساسي، لانه من صميم المهمة وهو الذي سيعطي المفتاح للاصلاحات المستقبلية، لتدعيم الاصلاحات التي بدأت، صراحة في هذا المجالˇ ويجب تعميقها حتى تكون للدولة حكامة ديمقراطية حقيقية في تدبير الشؤون العامة، سواء بالنسبة للحريات الاساسية للافراد وللجماعات او بالنسبة لاحترام القوانين اي عدم السماح بالافلات من العقاب وبخرق القاعدة القانونية في الميدانين السياسي والمدني، على ان يتعمم في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية في المستقبلˇ

إشكالية تحقيق العدل في مجتمعات متغيرة عملية صعبة ومعقدة، لا يمكن حسمها بالتمنيات، لاشك ان هناك مبادئ، وأولها ضرورة مساءلة جميع المسؤولين وضمان المتابعة والتحقيق والادانة اذ ثبتت المسؤولية وانزال العقاب المستحق والعفو من بعد او عدمه، هذا الامر، اذن اساسي ومعياري، لكنه يتم في ظروف عادية تتوفر فيها شروط الايمان بهدف العدالة، لا بالنسبة للدولة ولا بالنسبة للمجتمع، وهو الامر الذي لم يكن متوفرا لاسباب سياسية كثيرة جدا، وهو امر يمكن ان نصادفه حتى في الامور العادية جداˇ

أما العنصر الثاني الحاضر هنا فيتمثل في اشكال توافقات سياسية معينة تتم في مجتمع معين حول فترة ماضية او احيانا في قضايا سحيقة في التاريخˇولكن تأثيراتها حاضرةˇ فالحسم الان ممكن، اذا كان يعني بعض الاسماء والحالات، لكن اذا كنا نرغب في اثارة قضايا اساسية التي مازالت تقلق الضمير الوطني وذاكرة المجتمع والفاعلين الاساسيين، فهي احداث ما بعد الاستقلال مباشرة، اذ انها مرحلة صعبةˇ تليها احداث الستينات والسبعينات وهذه الاشكالات عندما نعود الى عمقها، والى كيفية نشأتها والسياق الذي وردت فيه، لا تفيد محاكمة فلان او فلانةˇ ولابد ان نطرح، في هذا الجانب، الهدف منها، فإذا كان هو احقاق الحق والعدل من أجل العدل، فيمكن ان تكون مفيدة، وهذا احتمال وليس تأكيداˇ

اما اذا كان هناك هدف سياسي معين لضمان انسجام المجتمع واستقرار فاعل وايجابي لبناء مجتمع ديمقراطي، فهذا يستحضر عناصر اخرى لها مشروعيتها السياسية،و هو التوافق بين الاطراف الاساسية في المغرب، هناك اعتراف الدولة بهذه المسؤولية، لكنه لم يتم تدقيق هذا الاعتراف، ولم يتم اشراك المجتمع بشكل واضح فيه، حتى يتسنى له معرفة الحدود وكيفية تغيير سلبيات الماضيˇ ثم هناك حالات الافراد، وهم كثر اذا ما نحن اخذنا بعين الإعتبارالفترة منذ 56 الى الان، واذا شئنا التقييم الشامل، فلابد من دراسة كل الحالات، ودراسة مواقعها في تسلسل المسؤولية حتى يكون المرؤ نظرة موضوعية، ومن الممكن ان تتوفر لدينا، عند نهاية عملنا، نظرة موضوعية اكثرˇ صحيح، ان اختصاصنا يمنعنا من طرح هذا الموضوع للنقاش العمومي، بخصوص المسؤوليات الفردية، لكن امنيتي وعملي ينكب، بالاضافة الى انشغالات اخرى على دراسة دقيقة لحالة وجود هؤلاء الاشخاص الذين يعتبرون مسؤولين عن الانتهاكات في المراحل التاريخية كلها، اذ هناك اجيال كثيرة من المسؤولين صغارا وكبارا، وهناك فترات تاريخية مختلفة وهناك اخيرا، تفاوت في المسؤولية حسب الموضوع أهو اعتقال، ام مشاركة في احداث اجتماعية ام تظاهرة او في احداث اخرىˇ

هذا يعطينا صورة عن الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين وسيفيدنا بالنسبة للمستقبلˇ وهو يشكل اولوية بالنسبة الى الان، لاستخلاص عبرة عن كيفية تكوين الضابط والشرطي والمفتش المناسب لمجتمع ديمقراطي، يحترم الناس ويطبق القانون ولو على نفسه، ويكون فعلا صالحا لمجتمع المستقبلˇ فبالنسبة لي هذا هو الاساس، دون ان أعترض، بطبيعة الحال، بالنسبة لمجتمع يتصرف بوعي وادراك، على محاكمات رمزية وكل الاشكال التي لا تمس بدولة القانون في المسائل العاديةˇ

-  في جانب المصالحة، هناك مصالحة الجهات وجبر الضرر الجماعي بالنسبة لبعض المناطق، ورموزها التي تعد رموزا وطنية، كما هو حال الريفˇˇ أين وصلت قضية جثمان عبد الكريم الخطابي؟

من الامور التي نعتبرها ذات رمزية قوية وتاريخيا مشروعة، استرجاع ذاكرة الخطابي بصفة عامة، بشكل واضح وصريح، في التاريخ الرسمي المغربي، في المدرسة في الاعلام وفي الحياة العادية وليس فقط في الريف، فهذا الاخير جزء من المغرب والخطابي رجل وطني مغربي كأبطال مغاربة آخرينˇ

فالمسألة إذن طبيعية بالنسبة لنا، وتحتاج الكثير من الاجراءات، وما هو مطلوب منا نحن هو المساهمة في طرح الفكرة والالتفاف حولها، وهو ما قمنا به باعتبارها جزءا لا يتجزأ من عملية المصالحة مع التاريخ، وبين مختلف مكونات الشعب المغربيˇ ومطلوب منا أيضا المساهمة في الاجراءات والتنفيذ الخاص باسترجاع الجثمان، وهنا لابد من الاشارة الى أن العائلة هي المعنية الاولى بذلكˇ أما عن التوقيت والكيفية، والمقدمات فتلك أمور أخرىˇˇˇ

وقد كانت لنا لقاءات مع الأخ سعيد الخطابي والأخت عائشة ومركز البحث والدراسات حول الخطابي ومجموعات مهتمة، وهذا التشاور مازال مستمرا لحد الآن أما التوقيت وغيره فيتطلب العديد من العمليات والشروط التي بدأت تتحقق ونتمنى أن تلعب كل الجهات الحكوميةوالمندوبية السامية للمقاومة دورها في هذا الموضوعˇ وعندما يحين الوقت، ستختار العائلة الوقت المناسب، أما السلطات فهي مستعدة في اعتقادي لاتخاذ الاجراءات اللازمة، وهناك الآن ترميممركز ومقر إقامة الخطابي في الريف، وهو مشروع مهم يتم التفكير فيه والعمل من طرف وزارات متخصصة كوزارة السي اليازغي مثلا، بالإضافة الى مركز الدراسات ومتحف ومبادرات أخرى نهيؤها نحن في هذا الاتجاهˇ

-  هناك المصالحة بمعناها جبر الضرر الجماعي ˇ

تم إجراء نقاش واسع مع مختلف الاطراف المعنية، مثل الجمعيات وهي بالمآت على عكس ما يقال أحيانا بطريقة سطحية ـ وهي جمعيات حقوقية في الصميم، وإن كانت محلية، فهي تشتغل في قضايا تهم المرأة والتنمية المحلية والتربية وفي مجالات مختلفة وفي مختلف المناطقˇ جرى تشاور إذن حول الموضوع كما ان هناك مجالات تهمنا مباشرة نشترك فيها مباشرة مع السلطات والمنتخبين والجمعيات إلخ، في ما يتعلق بالذاكرة، وما يتعلق بالانتهاكات وتأثير ذلك على هوية وصورة الحي أو الدوار او القرية المعنية، فنتقدم باقتراحات في الموضوع، في المجال التربوي والتحسيس وحقوق النساء مثلا، وهناك أيضا جانب يتعلق بالتهميش الاقتصادي المعتمد أو العقاب الجماعي ـ إن وُجد ـ أو آثار غير مباشرة للانتهاكات على مشاريع اقتصادية أو اجتماعية ونحن إذ لا نملك الاختصاص، قمنا بدور الوسيط مع الاجهزة المعنية،وغالبا ما تكون وزارات الصحة والداخلية مثلا، بالاضافة الى توفرنا على مشاريع عينية ملموسة وضعت في العديد من المناطق وقد بدأ تنفيذ البعض منها وسنقوم بالاعلان عنها في ندوة عامة تخصص لهذا الموضوعˇ

يضاف الى هذا، مشاريع في المناطق المذكورة أو غيرها سبق لها أن كانت مراكز اعتقال أغلق جلها في الثمانينات وإن ظلت حية في الذاكرة، فالمراكز التي مازالت صالحة للاستعمال يتم تحويلها وقد تلقينا طلبات كثيرة في هذا الصدد، كدرب مولاي الشريف التي عرضت الكثير من الجمعيات والشخصيات من الحي المحمدي العديد من المقترحات حوله، وأكدز وقلعة مكونة وتازمامارت، وهي مقترحات ترمي الى إدماج هذه المعتقلات، بعد تحويلها، في المشهد العمراني والمجالي للمنطقةˇˇˇ

-  على ذكر تازمامارت، أين وصلت قضية جثامين الضحايا الذين دفنوا هناكˇˇ؟

لقد درسناها على غرار ما فعلناه بالحالات الأخرى، وقريبا سنعلن عن النتائج النهائيةˇ

-  قريباˇˇ بمعنى؟

قبل نهاية المدة (ضحك) وقد قمنا بمعاينة الأماكن بعد تشاور مع جمعية ضحايا تازمامارت وعائلاتهم، وبعد المعاينة، تمت دراسة الارشيف والتتبع تلتها دراسة المجال، وكيفية استعماله مستقبلا؟ ويمكنني القول الآن ان العملية تمت بالفعلˇ

نشر بجريدة الإتحاد الإشتراكي في جزئين يومي 21 و 22 ماي 2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma