Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الانصاف و المصالحة,,, المغرب نموذجا

في سابقة هي الأولى من نوعها، أنهت ’’هيئة الإنصاف والمصالحة’’ التي شكلها العاهل المغربي قبل عامين (7 يناير 2004)، أعمالها بإصدار تقرير شامل عن تحقيقاتها فيما شهده المغرب من انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الفترة التي أعقبت الاستقلال وحتى مختتم القرن المنصرم، وقد بحثت اللجنة في آلاف الوثائق والحالات والشهادات، متتبعة الحقيقة والمسؤولية عن هذه الانتهاكات بدءا بملف ’’مجهولي المصير’’ مرورا بملفات ’’الاعتقال التعسفي’’ و’’التعذيب وسؤ المعاملة’’ وانتهاء بحالات القتل وإطلاق النار في الحوادث الجماعية.

وخلصت الهيئة إلى صياغة جملة توصيات تتعلق بـ’’جبر الأضرار وإنصاف الضحايا’’، بعضها يشتمل على التعويض المادي والتأهيل الصحي للضحايا، وبعضها الآخر بـ’’جبر الضرر على النطاق الاجتماعي’’، والأهم أن الهيئة خرجت بإستراتيجية عامة لمنع تكرار ما حدث، وفي هذا السياق يمكن التوقف أمام استراتيجيات تفصيلية ثلاث اعتمدتها الهيئة وأوصت بها، وهي:

’’دعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي على القانون الوطني وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة.

’’إقرار وتطبيق إستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب.

’’إقرار جملة من الإصلاحات في مجال الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية لتوطيد دولة القانون لا مجال في هذه العجالة لاستعراض أوسع لتقرير الهيئة، فالتقرير بوثائقه وشهاداته وآلاف الصفحات المرفقة به موجود على الموقع الالكتروني:www.ier.ma وأنصح المهتمين بالإصلاح وحقوق الإنسان والرأي العام بالاطلاع عليه، لكنني سأكتفي هنا بتسجيل بعض الملاحظات:

’’التقرير غير مسبوق، والتجربة غير مسبوقة في العالم العربي، برغم تفشي مظاهر انتهاك حقوق الإنسان في جميع الدول والمجتمعات العربية من دون استثناء، وهذه نقطة تسجل للمغرب ومسارات تحوله الديمقراطي، وهي خطوة ما كانت ممكنة لولا التقدم الكبير الذي يسجله البلد الشقيق على هذا الطريق.

’’قيمة هذا التقرير وتلك المبادرة، لا ينتقص منها على الإطلاق، بقاء بعض ملفات التحقيق عالقة ومغلقة، أو عدم تمتع اللجنة بصفة قضائية، أو ربما عدم تحميلها ’’المستوى السياسي’’ القسط الذي يستحق من المسؤولية عن الانتهاكات، كما يرى المتحفظون على الخطوة أو المشككون بجدواها، فالمبادرة جريئة ابتداءَ والتقرير حافل بالمعطيات والتحقيقات الأكثر جرأة.

’’البحث عن الحقيقة وتوخي الإنصاف والعدالة، ليس نوعا من ’’النبش في الماضي’’ أو ’’نشرا للغسيل القذر’’ أو ’’فتنة يراد وأدها في المهد’’، كما قال ويقول المتحفظون، بل هو تأسيس لمستقبل لا تتكرر فيه مثل هذه الانتهاكات، وضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء، وتعميما لثقافة عدم الإفلات من العقاب...هو تطلع للمستقبل لا تصفية حساب مع الماضي.

’’قد يقال بأن المغرب وجد نفسه مضطرا لإطلاق مثل هذه المبادرة، بالنظر لفداحة الانتهاكات التي شهدها سيما في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، لكنني أعتقد أن دولا ومجتمعات عربية أخرى، هي أشد حاجة واضطرارا لهذا المقياس، لمبادرات من هذا النوع، أما الدول والمجتمعات التي تعتقد أنها شهدت انتهاكات أقل حدة لحقوق إنسانها، فلا ضير عليها إن هي راجعت وحققت في هذه المخالفات والانتهاكات، طالما أنها ليست من النوع المستعصي على التسوية و’’الجبر’’ والإنصاف.

المغرب في سنواته الأخيرة، يقدم أنموذجا متطورا في ميادين إصلاحية عدة، ليست هذه الهيئة سوى واحدة من تجليات هذا الأنموذج، وهناك أيضا تجربة التناوب على السلطة، والتعددية السياسية والحزبية النشطة، ومدونة الأسرة الجريئة في تعاملها مع ’’النص الديني’’، وهناك أيضا تجربة العدالة والتنمية، الحزب الذي ترشحه مختلف التقديرات لتشكيل الحكومة بعد انتخابات ،2007 إلى غير ذلك مما يمكن لنا أن نتعلمه ونفيد منه، فهل نحن فاعلون ؟!.

بقلم عريب الرنتاوي

صحيفة "الدستور" الاردنية، بتاريخ 21 دجنبر 2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma