Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الاحداث المغربية: هل طوينا صفحة الماضي؟

أجمعت فعاليات المجتمع المغربي على أن هيئة الإنصاف والمصالحة سواء كفكرة أو كإنجاز شكلت تجربة مميزة وخطوة إيجابية في طريق طي صفحة ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،وبالتالي خلق جو لمصالحة المغرب مع ماضيه. وقد رافق إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة والنتائج التي خلصت إليها وما قدمته من توصيات حملة دعائية إلتقطها المجتمع الدولي، وساهمت في تلميع صورة المغرب في الخارج بشكل أساسي، وهو شيء إيجابي ستكون له إنعكاسات جيدة لامحالة. إن تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة جاء شاملا في ما يتعلق بوصف الخروقات التي طالت الحقوق الإنسانية في مرحلة ما يعرف بسنوات الرصاص، وهو وصف نشرت بعض جوانبه الصحف المغربية منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي تم الإعتراف فيها بوجود معتقلات سرية كتازمامارت وأكدز وقلعة مكونة... ومعلوم أن بداية التسعينيات شهدت إطلاق سراح مجموعات ممن حالفهم الحظ ونجوا من جحيم الأقبية والتعذيب... لكن تقرير الهيئة لم يشر لمن قام بالخرق السافر لحقوق الإنسان سواء كأشخاص أو كجهاز أو كجهة معينة في الدولة. كما لم يتطرق للأسباب الكامنة وراء ما جرى وكيف جرى، وهي أسئلة تؤدى الإجابة عنها إلى تصفية النفوس والمصالحة الحقيقية... إضافة إلى أن العديد من الملفات لم تجد حلا ولا أجوبة في تقرير الهيئة منها ملف المهدي بنبركة وملف عمر بنجلون وملف العديد من المختفين والمقاومين إلخ. وإحقاقا للحق لايمكن إنكار المجهود الذي قامت به الهيئة وتوجته بالتقرير الذي كان جريئا في توصياته على الخصوص، كما أن الهيئة تركت الملف مفتوحا للمزيد من التنقية في سبيل خلق مصالحة نموذجية تجعل المغاربة يتقدمون نحو المستقبل دون ضغائن ولا أحقاد وأيضا دون عقد. لكن وبعد صدور التقرير النهائي للهيئة وتثمين توصياتها، هل يمكن الحديث عن أن المغرب صفى حساباته مع ماضيه وأن مسيرة التقدم نحو المستقبل قد انطلقت وأن ميلاد مغرب جديد قد حان؟ وهل هناك ضمانات على التأكد من أن ما جرى لن يتكرر؟ إن القول الآن بأن المغرب تصالح مع ماضي، وأنه طوى بشكل نهائي صفحة الماضي هو قول فيه الكثير من التسرع ، وربما يفسد ما قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق تلك المصالحة. والإعتبارات التي تم ذكرها أعلاه تعلل ذلك. فما جرى في حقبة زمنية في بلادنا من هدر للكرامة الإنسانية ومس حقوق المواطنين والإعتداء على حرماتهم، واحتقارهم وتمريغ أنوفهم في التراب، لا يمكن تجاوزه بالديماغوجية. فمن الصعب مثلا أن نطلب من ضحايا سنوات الرصاص أن يستفيقوا اليوم وقد دفنوا الماضي ونطلب منهم ببساطة أن ينظروا للمستقبل، وعفى الله عما سلف... وهم يشاهدون على شاشة التلفزة الوطنية وفي المنتديات والمؤسسات وجوها كانت تشكل جزءا من هذا الماضي البئيس. إن الدعوة إلى نسيان الماضي تتطلب قرارات سياسية جريئة، أقلها أن نطلب من رموز ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أن يتواروا عن الحياة العامة، وذلك احتراما لمشاعر المغاربة. إن شوائب الماضي ليست بالهينة، وماوقع كان له أثر سلبي ومخزي على حياة المغرب العامة. وغسل ما علق من ذاك الماضي، يتطلب نوعا من المعالجة يبدو أن المغرب بدأها، وليس عليه سوى أن يكملها على الوجه الصحيح، لكي نكون فعلا نموذجا يحتدى به في عالمنا العربي. إن التوجه إلى المستقبل والإقبال عليه بأمل وتفاؤل يتطلب تصفية الحساب مع الماضي، ليس بالمفهوم السلبي، ولكن بالمفهوم التحليل نفسي. وهذا لن يتم إلا بإعادة أحياء ما جرى بحيثياته من أجل دفنه بصفة نهائية، لأنه لا يمكن طي صفحة دون قراءتها. فإذا كان العهد الجديد قد عبر عن إرادته في تجاوز ماض لم تكن له يد في ما جرى فيه، فإن الطريقة الأسلم هي أن يعطي لتحقيق المصالحة شروطها. حكيم بلمداحي الاربعاء 18 يناير 2006

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma