Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

جلسات الإستماع العمومية: مبادئ عامة

إعداد:د.مصطفى اليزناسني

عمدت بعض لجان الحقيقة عبر العالم إلى تنظيم جلسات عمومية للاستماع إلى الضحايا وفي بعض الأحيان إلى مقترفي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، منفذين كانوا لها أو آمرين بها. و كانت أشهر تلك التجارب، تجربة جنوب إفريقيا التي لقيت ذيوعا واسعا لم يخل من انتقادات.

وإذا ما كانت تلك التجارب قد اختلفت من حيث نوعيتها، وحجمها ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، فإن الجميع متفق على أنها شكلت لحظات مهمة في مسلسلات تسوية ملفات انتهاكات الماضي من حيث أنها قربت معاناة الضحايا من الرأي العام، وقوت فهمه لأحداث الماضي، ونمت اهتمامه بضرورة احترام حقوق الإنسان، وبالتالي فإنها ساهمت في تقوية التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي، و في خلق شروط المصالحة.

ما هي جلسات الاستماع العمومية

جلسات الاستماع العمومية هي جلسات يتلقى أعضاء لجان الحقيقة مباشرة أثناءها، وأمام الرأي العام الوطني إفادات الضحايا أو الشهود عن انتهاكات وأفعال مست بشكل عميق الضحية و/ أو عائلته و/ أو المجموعة التي ينتمي إليها، وأثرت بشكل بالغ في المجتمع. يشكل الإدلاء بإفادة أمام الرأي العام الوطني، لحظة تكريم واستشفاء بالنسبة للأشخاص المعنيين بالأمر، كما بالنسبة للذين قد يجدوا أنفسهم في الحالات المعروضة.

يتم اختيار الحالات و المواضيع التي تشكل نماذج مثالية من أجل تدعيم التحريات بالإفادات. وتسعى لجان الحقيقة إلى إغناء التحريات من خلال الحقيقة الشخصية للضحايا وتأويلهم الخاص للوقائع، وتوقهم إلى العدل والإنصاف، وجبر الأضرار، وضمان عدم تكرار ما جرى. على الصعيد الوطني، تشكل جلسات الاستماع العمومية لحظات اعتراف بكرامة الضحايا ومشاطرتهم معاناتهم وآمالهم والاقتراب منهم عاطفيا من خلال الاستماع إلى حقيقة أخرى غير الحقيقة الرسمية، وبالتالي فإنها تخلق فرصا للتفكير الشخصي حول ضرورة احترام حقوق الإنسان، وطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة عن طريف إقرار الحقيقة، وإنصاف الضحايا وتصالح المجتمع مع ذاته والوطن مع تاريخه.

المبادئ الواجب مراعاتها في تنظيم جلسات الاستماع العمومية

الإخبار والقبول المسبقان: تنظم جلسات الاستماع العمومية على أساس الإخبار والقبول المسبقين بمعنى أن الأشخاص الذين سيدلون بإفاداتهم يتلقون إخبارا مسبقا حول طبيعة هذه الجلسات كفرصة لإطلاع المجتمع على معاناتهم ومشاطرته لهم تلك اللحظة، وكذا حول ما قد تسببه لهم من تأثر وآلام.

يتم التحضير معهم لهذه الجلسات من خلال لقاءات مسبقة تتوخى تحقيق هدفي وضوح وعمق إفادة الضحية دون المساس بوجهة نظرها.

الدعم الاجتماعي والعاطفي للأشخاص الذين يدلون بإفاداتهم: يتمثل ذلك في ضمان حقهم في أن يكونوا مصحوبين بمن شاءوا من أفراد عائلاتهم و أصدقائهم ومن أعضاء جمعيات المجتمع المدني، وحمايتهم من أي نوع من المضايقات ومظاهر عدم الاحترام التي قد تربكهم وتضاعف تأثرهم أثناء الإدلاء بإفادتهم.

الدعم السيكولوجي: إبلاء الأهمية اللازمة للتأطير السيكولوجي للضحايا قبل وبعد الإدلاء بإفاداتهم.

عدم التمييز: يجب إعطاء نفس الاعتبار لجميع الحالات واعتبارها على نفس القدر من الأهمية و الأولوية.

احترام التنوع: يتجلى ذلك في احترام هوية الأشخاص الذين يدلون بإفاداتهم والإستراتيجيات التي يختارونها لرواية قصتهم الشخصية، وذلك في محيط لا يمارس أي نوع من التمييز ضدهم بسبب وضعهم الاجتماعي وهويتهم ونوعهم وخصوصياتهم اللغوية والثقافية.

حق التوضيح والرد: لجميع الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في أفعال تتصل بالانتهاكات موضوع التحري، حق التوضيح، ذلك أن احترام كرامتهم يقتضي تمكينهم من الإدلاء بوجهة نظرهم بشأن الوقائع الوارد ذكرها، وللجنة الحقيقة أن تدبر تنظيم هذا الحق.

معايير الاختيار

الإفادة أثناء جلسة استماع عمومية عملية معقدة، تقوم الضحية أثناءها، طبقا لطريقتها الخاصة، بسرد الأحداث التي وقعت لها وما تعرضت له من انتهاكات والسياقات التي جرت فيها، وما سببت لها من معاناة ورواسب.

السمات المميزة للإفادات: يتم اختيار الإفادات التي يتوخى منها العمق والوضوح.

السمات المميزة للحالات: أن تكون ذات دلالة بالنسبة للمسارات ونوعية الانتهاكات والتجارب والمسؤوليات.

التغطية الجغرافية والتاريخية: .يتم قدر الإمكان، ومن خلال حالات نموذجية، مسح جغرافي للانتهاكات مع مراعاة الاختصاص الزمني للجنة الحقيقة.

التعامل الإيجابي مع اقتراحات المجتمع المدني: تؤخذ بعين الاعتبار قدر الإمكان، إذا ما كانت تتلاءم مع استراتيجية اللجنة، الحالات والمواضيع المقترحة من طرف جمعيات المجتمع المدني على المستوى الإقليمي و الوطني ( جمعيات حقوقية، عائلات الضحايا) ويمكن إشراك بعض تلك الفعاليات في مراحل التحضير ومواكبة الضحايا وعائلاتهم. كما يؤخذ بكل ما من شأنه أن يغني النقاش الوطني كمعلومات وتأويلات مع الحرص اللازم على تجنب الإثارة.

بعض أنواع جلسات الاستماع العمومية

جلسات الاستماع حسب الحالات: تسليط الضوء على الحقيقة الشخصية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

جلسات الاستماع الموضوعاتية: توضيح الأحداث بتسليط الضوء على تجارب بعض المجموعات وعلى بعض أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، وفتح سبل جديدة لاستجلاء الحقيقة وتمكين الرأي العام من تعميق معرفته لما جرى.

جلسات الاستماع للتجارب الجهوية: الاستماع إلى إفادات الضحايا و الجمعيات المحلية والإقليمية و الخبراء لمعرفة مدى وقع وآثار الانتهاكات على ساكنة بعض المناطق، المساعدة على فهم الأحداث وتنوع الوطن في اتجاه احترام أكبر لهذا التنوع .

جلسات الاستماع للمشتبه في تورطهم في انتهاكات حقوق الإنسان: تمكن من التعرف على التبريرات الرسمية التي كانت تقدم لممارسة الانتهاكات، وعلى سير الأجهزة المسئولة عن الانتهاكات. كما أن اعترافات المشتبه في تورطهم والتعبير عن أسفهم واعتذارهم للضحايا يشكل خطوة نحو هدف التصالح.

جلسات الاستماع لشهود العصر( شخصيات سياسية، مسئولين سابقين، أكاديميين): تمكن من معرفة السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والإختلالات التي قد يكون عرفها السير العادي للمؤسسات و الأجهزة، كما تمكن من استشراف الاحتياجات في مجالات الإصلاح.

مراحل الإعداد لجلسات الاستماع العمومية

بالنظر إلى أهمية ودقة عمليات التحضير، يتم الإشراف عليها من طرف رئيس وأعضاء لجان الحقيقة، ويشارك في الإعداد لها أعضاء من الطاقم الإداري المركزي ومن المكاتب المحلية، ويمكن الاستعانة بالجمعيات الحقوقية في إطار برامج تشاركية.

البرمجة: تتم برمجة جلسات الاستماع العمومية من طرف اللجنة بعد أن تقرر اختيار الحالات و الأشخاص بناء على الاستنتاجات والاقتراحات التي توصلت إليها فرق العمل من خلال دراسة الملفات و الوثائق، ومن خلال التحريات والزيارات و اللقاءات مع الضحايا و عائلاتهم والجمعيات. كما تقرر إن كانت ستعقد هذه الجلسات مركزيا، أم أنها ستتنقل إلى مناطق متعددة، وذلك بقصد ضبط البرمجة و التنظيم ومختلف الاحتياجات اللوجستيكية.

التحضير: تعقد لقاءات أولية مع الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار للإدلاء بإفاداتهم من أجل أحاطتهم علما بالأهداف المتوخى تحقيقها من خلال جلسات الاستماع العمومية، والمبادئ المراعاة في تنظيمها، إلى غير ذلك من التفاصيل حتى يضمن قبولهم على أساس المعرفة المسبقة، ويوفرا لدعم السيكولوجي لهم.

تتخذ التدابير لتوفير جميع الاحتياجات اللازمة (وسائل النقل، الإقامة، تجهيز مقر مناسب، تجهيزات تقنية، لوجيستيك) تخصص فضاءات داخل القاعة لكل من الضحايا ومرافقيهم والإعلاميين والشخصيات المدعوة لضمان جو لائق و سير هادئ ومتقن للجلسات، وتوفر الترجمة من، وإلى اللغات و اللهجات المحلية عند الاقتضاء.

يتم تسجيل الصحافيين المعتمدين قبل موعد انعقاد الجلسة، ويحاطون علما بالمبادئ والضوابط التي تحكم سيرها. كما يمكن للجنة، أن تبرم اتفاقيات مع القنوات التلفزية لضمان التغطية حسب ما ترتئيه من شروط. وفي جميع الأحوال سيكون على اللجنة أن تقوم بالتسجيل الكامل للوقائع صورة وصوتا، لكل استعمال فوري ولاحق(تحاليل، نشريات، مواد بيداغوجية) قبل الأرشفة.

جلسة استماع

تنظم الجلسات بحضور رئيس اللجنة و/ أوعدد مناسب من أعضائها تقديرا للضحايا واحتراما لمعاناتهم.

يقدم للحضور عرض للتذكير بطبيعة وصلاحيات ومهام اللجنة. يلتزم الحضور الهدوء والاحترام طوال انعقاد الجلسة.

يمتنع الإعلاميون المعتمدون عن أي عمل آخر لا يرتبط بتتبع وقائع الجلسة أثناء انعقادها.

يتقدم رئيس اللجنة أو رئيس الجلسة بالشكر إلى كل شخص يدلي بإفادته على قبوله تقاسم تجربته مع مواطنيه، ويعبر عن التضامن مع الضحايا.

يسهر الفريق الطبي والنفساني على مواكبة الضحايا وعائلاتهم.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma