Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

السيد جمال أمزيان

تعريف الضحية الشاهد

شهادة السيد جمال أمزيان

 

بسم الله الرحمان الرحيم أيها الحضور الكريم،

في مستهل هذه الشهادة تحت عنوان دعوني على الأقل أتكلم إني لا أتهم أحدا ولست ناقما على أحد ولا حاقدا على أحد، لا بد لي من الترحم على كل من قدم نفسه ومعهم ذووهم قربانا لهذا البلد الأمين ولابد لي أيضا من تقديم الشكر لكل الذين ساهموا ويساهم كل من موقعه في هاته التحولات التي تشهدها بلادنا ومنحوا لي فرصة الالتقاء بكم أيها السادة الأفاضل.

بالطبع من المفروض علي أن أبدأ بتقديم نفسي أمامكم وأمام الرأي العام الوطني والدولي على اعتبار أن العديد منكم يتسائل عمن أكون وما علاقتي بهذا الموضوع الذي يشغل المجتمع المغربي برمته.

أنا مغربي ريفي تزامن يوم ولادتي مع اندلاع ثورة جيش التحرير بجبال الريف، من أب ذنبه أنه قال لا للظلم والجبروت وللمنطق الأحادي ولا لاستقلال جزئي تفاوضي قال علانية نعم لاستقلال تام لجلاء القوات الاستعمارية لعودة محمد بن عبد الكريم الخطابي لمغرب حر لمؤسسات منتخبة بنزاهة وديمقراطية لمغرب للجميع، فكان مصيره الاعتقال لمدة تربو عن السنتين دون محاكمة.

جاءت انتفاضة الريف التي تلتها الاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجماعية فاضطر والدي المحكوم غيابيا بالإعدام محمد الحاج سلام أمزيان الذي ورد اسمه في عدة كتابات ومنها ذاكرة ملك إلى الاغتراب الاضطراري ذلك النفي الذي لم يوظفه للمزايدة على وحدة البلاد ولا لتتسابق عليه عدسات الصحافيين.

أنا جمال بن محمد الحاج سلام أمزيان المعروف محليا بميس الحاج سلام قائد انتفاضة الريف أواخر سنة 1958 وبداية 1959 واسمحوا لي أن أصارحكم بأني لكي أقف أمامكم اليوم في هذه اللحظة الحرجة والمحرجة القلقة والمقلق أيضا كان علي أن أتجاوز عدة عوائق منها ما هو نفسي ووجداني ومنها ما له علاقة بمدى أهمية هذه الشهادة كأرضية ستأثث أعمال المهتمين من مؤرخين وساسة وحقوقيين ومناضلين ومنظرين وذوي القرار. كما كان علي أن أناجي نفسي محاولا الإجابة عن تساؤلات أخرى من قبيل هل ما عشته أنا ومعي أسرتي الصغيرة هو ملك لنا عشناه وتعايشنا معه وحدنا لمدة تجاوزت 20 سنة أم أنها تجربة إنسانية عاشتها أسرة ريفية مغربية لظروف معينة، شأنها شأن باقي عائلات الضحايا وبالتالي بإمكان الآخرين بل من حقهم الاطلاع عليها باعتبارها نموذجا من بين نماذج أخرى في دنيا حقوق الإنسان، ثم كيف سيكون وقع هاته الشهادة العلانية على أسرتي وعلى أبناء وأسر الريف وهل سيرضى عني والدي في العالم الآخر من الصعب جدا أن يختزل المرء شريط وقائع نصف قرن من المعاناة ومن الأحاسيس والطموحات والآلام والأحلام والرغبات المكبوحة جماحها في أعماق ذاته في شهادات قصيرة ومع ذلك سأحاول لأننا ألفنا الاختزال والصمت وسأقتصر على مشاهد ما بعد 1958/1959 أما السابقة لها والتي قادت والدنا إلى السجن وساهمت في وفاة إحدى أخواتي فلندعها للتاريخ، ولظروف أخرى، واحتراما للوقت سأقتصر على ثلاث محطات في مسار حياتي التي كان رغما عني.

حياة كان كل ما يمنحني فيها الرغبة في الاستمرار والبقاء هو البحث عن إجابات مقنعة لتساؤلات عديدة تشكل المحطة الأولى هل ما حدث في أواخر الخمسينيات بالريف كان يستوجب ذاك التدخل العنيف؟ ثم أي جرم ارتكبته الزوجة والأبناء والأخوات والعمات وأبنائهم والجدة حتى يساقوا كرهائن لثكنة القوات المساعدة بمدينة الحسيمة ويحاط الجميع بكل أصناف قوات الجيش، وكأنهم يهددون البشرية؟ ومن غرائب الصدف وسخرية الأقدار أن تضطر الأسرة الصغيرة، وبعد مدة من الزمن، إلى استئجار مسكن بجوار هذه الثكنة والذي مازالت تقيم فيه وإلى حد الآن وكأن القدر حكم وعلى أفرادها بعدم الانسلاخ ونسيان أو تناسي ذلك الموقع المعتقل بل جعلها تصبح وتمسي كل يوم بل كل دقيقة على ذكريات ماض وحاضر لا يريد الزمان محوها، أي ذنب جناه أبناء المرحوم حتى تتلقفهم في أولى مراحل تشكل وعيهم وذاكرتهم فوهات البنادق والمدافع محاطين بالأسوار العالية ولاحق لهم في الدنيا سوى ذلك الحيز من السماء الذي يعلو رؤوسهم الصغيرة البريئة المليئة بالتساؤلات المبهمة والتي تتجاوز أعمارهم، لا يسمعون إلا أوامر المنع والتحذير من تجاوز وتخطي الحدود المرسومة لهم وهم ينظرون إلى أولائك ببراءة وإشفاق أحيانا؟ أية حياة التي كبر فيها الأبناء، وهم يتامى، وما هم كذلك في العرف اللغوي والاجتماعي على اعتبار أن والدهم كان مازال على قيد الحياة هناك في جزء من هذا العالم، عالم كانوا يجهلون جغرافيته ومعالمه، ومرت الأيام والأشهر في الأسر الذي تشكل صوره المشاهد الأولى في ذاكرتنا ووعينا، وعدنا إلى القرية التي كانت مصرحا لبطولات جيش الكوم، إلى القرية التي كانت ما تزال تضمد جراحاتها، إلى الدار التي كانت آثار منطق القوة والأرض المحروقة بادية على أطلالها فاضطررنا إلى إعادة إحيائها حتى تأوينا وتكفي عنا ويلات الطبيعة أما ويلات البشر فالزمن والله وحده هما الكفيلان بهما. فبدأنا من الصفر نبني حياتنا ونتقاتل مع وادي الزمن والإنسان. لذلك أنه حينما أطلق سراحنا من المعتقل الصغير تركنا لنواجه مصيرنا ونحن عزل في المعتقل الكبير المجتمع، تنكر لنا الجميع باعتبارنا مصدر شبهة وتهمة وخوف وكان علينا أن نحيى داخل رؤوسنا مجبرين عند الاقتضاء أن نبدو من الخارج مرحين نفيض بالحياة عكس ما تختزنه دواخلنا مع العلم أنه من الصعب أن يفصل بين الوضعيتين.

نتأثر نتألم لكل ما يحدث لكل ما يحكى ونسمع سواء بالريف وفي أرجاء أخرى من البلاد من انتهاكات وتجاوزات، لكننا لا نستطيع التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا علانية خوفا من أن تنضاف إلى سجلات صكوك تهمنا بالوراثة تهما وجنايات أخرى، وكان علينا أيضا أن نتآزر فيما بيننا ونبحث عن تكاليف الحياة، مكتفين بشظف العيش في غياب الأب الذي كان من المحتمل، وبحكم تكوينه العلمي الذي بلغ فيه شأنا كبيرا إبان خمسينيات القرن العشرين أن يرعانا ويغنينا عما غدونا عليه لكن إرادة الحاكمين والزعماء السياسيين كانت أقوى من إرادة أسرة صغيرة وهناك على تل من تلال جبال الريف، ذلك الوالد الذي ألبس قميص عثمان بعدما غادر البلاد، وغدا اسمه ممنوعا من التداول ولكنه ليس ممنوعا من الصرف، ولما غادر هاته الدنيا ملتحقا بالرفيق الأعلى لم يخلف وراءه سوى تراثه الفكري وأبنائه الستة ومنهم هذا الذي يقف أمامكم الآن والذي كان عليه أن يحل محل والده في تحمل مسؤولية الأسرة منذ سنوات عمره الأولى فصارع عوادي الزمن وجحود الأقارب، وكافح بإيباء وعصامية وبإصرار من أجل الاستمرار في الوجود في بلدنا التواق إلى الرقي والمصالحة.

أما المحطة الثانية فلها ارتباط بأول لقاء للوالد في صيف 1981 وهو اللقاء الذي لعب فيه الحدس والغريزة البشرية دورهما في تعرف أحدهما على الآخر،ولكم أن تتصوروا سيرورة وخاتمة هذا المشهد، لحظة التقاء أب حقيقي بابن حقيقي وفي واقع حقيقي لا افتراضي ولا خيالي.

أما المحطة الثالثة فتحمل من الدلالات والمعاني ما تحمل، ففي صباح يوم الجمعية تاسع شتنبر 1995 وأنا في حلم، رن الهاتف حوالي الساعة الثامنة صباحا وكان على الطرف الآخر أخي محمد وقبل أن ينطق أدركت معنى المكالمة فقلت هل قضي الأمر إنا لله وإنا إليه راجعون، أتعلمون ماكان مضمون ذلك الحلم الذي تمنيت لو أنه استمر لساعات، بل لسنوات لعله يفرج عني ويزيل ذلك الكابوس الذي رافقني منذ فتحت عيني على الدنيا، إنه الفرح بعودة الوالد فرح حولني إلى طائر أزاحم النوارس في الفضاء فهتفت داخل أعماقي الحمد لله فقد عاد الذي سيخفف عنا جراح الماضي ويشد أزرنا لبناء المستقبل، بين الحلم الجميل الذي احترق والواقع القاسي المؤلم أيها السادة، وبعد أن استعدت وعيي استفسرت أخي عن الساعة فتزامن أو كانت الساعة السادسة صباحا، فاعتراني الاستغراب والدهشة، للتلازم بين وقت الحلم وبين وقت وفاة المرحوم. أكانت صدفة؟ أم أن رسولا زارني ليخبرني ما سيحدث بعد قليل والله أعلم تسمرت في مكاني بعد انتهاء المكالمة وتلاحقت الأسئلة التي لا أجوبة واضحة لها على مخيلتي أية بشرى سأزفها في هذا الصباح للوالدة؟ أهو ذالك الحلم الجميل؟ أم تلك الحقيقة المرة؟ كيف سيكون رد فعلها حينما سأخبرها أن زوجها ذلك الزوج المبعد عنها والذي لم تجتمع به إطلاقا منذ أن شتتهما حوادث خريف الغضب وانتظرت عودته لمدة تربو عن 36 سنة أي 13140 يوما بلياليها ونهاراتها قد التحق بالرفيق الأعلى، كيف سأفاتحها بهذه التراجيديا موقف صعب على هذا الابن الذي لملمته أيام معدودة بذلك الوالد الذي رحل وسيغدو ماضيا رمقتني بعينين حزينتين والعبرات تتلاحق على خديها فسمعت كأنها تقول الحمد لله على كل حال لقد أدى واجبه والآن لبى نداء خالقه، ثم انزوت إلى غرفتها وأغلقت بابها لتعود إلى وحدتها، لقد علمها الزمان الصمت ودفن أحزانها وجراحاتها في دواخلها وأعماق قلبها.

بالطبع هذا السيناريو سيتكرر مع الأخت الصغرى ومع الجدة ومع باقي الأقارب ثم حتى مع وكلاء الجهات المعنية من سين وجيم والذين لم يرتاحوا، نسبيا، إلا بعد أن واريناه الثرى وذرفنا دمعات روينا بها قبره، وفي أعماق أعماقي تساءلت: أهذه نهاية رجل كان ذكر اسمه يعد جريمة؟ ومع ذلك فلا يسعني في الأخير إلا أن أشير إلى أن أحد أعمامي ما يزال يقبع في منفاه منذ 1959، كما يسعني أيضا أن أحلم بمغرب تحترم فيه الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية للفرد والجماعة، وأن يتم الكشف عن حقيقة ما جرى فعلا حول الانتهاكات الجسيمة، ورد الاعتبار وجبر الأضرار بصيغة المفرد والجمع معا.

كما أعتقد أنه آن الأوان لنعيش ما تبقى لنا من أيام في هذه الدنيا الفانية ولنلتحق بالعالم الآخر أيضا في سلام وأمن وطمأنينة، دون خوف معنوي أو مادي قد يصادفنا هناك في إحدى منعطفات المستقبل، مستقبل لا نريد فيه عنفا ولا عنفا مضادا وتهميشا ومؤامرات وانتقام فردي أو جماعي من الأبرياء، ولنترك لأبنائنا وأحفادنا فضاء تسوده الحرية والتعايش والسلم،دون ضغائن ولا أحقاد ولا احتراز. وشكرا لكم ولسعة صدركم للإصغاء.

والسلام


استمعوا للشهادة

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma