Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

ملخص لوقائع جلسة الاستماع العمومية الثانية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان

نظمت يوم الأربعاء 22 دجنبر 2004 بمركز الاستقبال والندوات بالرباط جلسة الاستماع العمومية الثانية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالقاء ستة شهادات لكل من الضحايا الشهود السيدة مرية الزويني والسادة سعد الله صالح.

وقد حضر هذه الجلسة على الخصوص السيد محمد معتصم مستشار صاحب الجلالة وعبد الواحد الراضي رئيس مجلس النواب ومحمد بوزوبع وزير العدل ومحمد نبيل بنعبد الله وزير الاتصال وترأسها السيد صلاح الوديع عضو الهيئة .

وقد ألقى خلال هذه الجلسة ستة ضحايا شهود شهادات حول المعاناة التي كابدوها وهم السيدة مارية الزويني والسادة عبد الله أعقاو وسعد الله صالح ومصطفى العمراني وعبد الله حيدو واحمد حرزني.

الضحية الشاهد السيد سعد الله صالح

أبرز الضحية الشاهد سعد الله صالح مختلف صنوف التعذيب التي مورست عليه أثناء فترة اعتقاله بمعية أطر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك بعد أحداث16 يوليوز 1963 . وقال السيد سعد الله صالح أنه تعرض للاعتقال التعسفي من مقر قيادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من طرف رجال الامن الذين داهموا مقر الحزب حيث كان يعقد اجتماع برئاسة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي مضيفا انه تم اقتياد الجميع معصوبي العينين ومقيدي اليدين الى مركز الامن بالمعاريف بالدار البيضاء التي خضعوا فيها للاستنطاق لفترة 28 يوما.

وبعد أن أكد أن سبب اعتقاله بمعية رفاقه يعود الى نشاطه السياسي ضمن اطار حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان له موقف معارض للدستور الجديد أنذاك أشار الى أنه أخلي سبيله مع المجموعة التي كان من بينها فيما أحيلت المجموعة الاخرى على المحاكمة مبرزا انه ذاق خلال فترة اعتقاله مختلف صنوف التعذيب الجسدي والنفسي من سب وشتم من طرف رجال الامن الى إجباره على الجلوس على القارورة.

واستعرض السيد صالح سعد الله الظروف التي أحاطت بما يعرف بأحداث شيخ العرب التي راح ضحيتها عدد من المناضلين واغتيال المهدي بنبركة في فرنسا ثم أحداث الدار البيضاء مؤكدا أن هذه الفترة شهدت اختطافات واعتقالات خارج اطار القانون الى درجة أن أقارب المعتقلين كانوا يخشون البحث عن ذويهم المختفين خشية تعرضهم هم أنفسهم للاعتقال.

وقال السيد صالح سعد الله أنه تعرض أيضا للاعتقال سنة 1972 في كلميم عندما شارك في اجتماع يندرج في اطار العمل النقابي الا انه أطلق سراحه بعد قضائه ليلة واحدة في مركز الشرطة لكن معاناته الحقيقية - يضيف السيد صالح سعد الله - بدأت سنة1973 عندما داهم رجال الامن منزله بعد الغذاء واعتقلوه من غرفة نومه بدون توفرهم على إذن بالاعتقال أو أي سند قانوني آخر.

وأوضح في السياق نفسه "عندما وصلنا الى معتقل درب مولاي الشريف وضعوا الاصفاد في يدي وشرعوا في تعذيبي بواسطة آلة تسمى ( النحيلة) , يكوون بها فمي وأذني في محاولة لإنتزاع الاعترافات مني رغم انني قلت لهم بأنني سياسي ونقابي وناشط في جمعية مساندة الكفاح الفلسطيني".

وأضاف أن رجال الامن أشبعوه في مرحلة ثانية " ركلا ورفسا بعد أن علقوه بواسطة حبل ومارسوا عليه تعذيبا بواسطة الكهرباء والماء لفترة شهر الى ان أغمي عليه " مشيرا الى أنه نقل بعد ذلك بمعية المجموعة التي كان ضمنها الى مكان يسمى ( الكوربيس) بمطار أنفا مقيدي اليدين معصوبي العينين.

وقال " هناك وضعوا كل واحد منا في مكان لا تتعدى مساحته25 سنتميتر وكان لنا فقط الحق في الذهاب الى المرحاض على الرغم من أننا كنا نعاني من الجوع إذ لم يكن يقدم لنا في اليوم سوى كسرة من الخبز وكأسا من الشاي تنبعث منه رائحة كريهة".

الضحية الشاهدة السيدة مارية الزويني

قالت الضحية الشاهدة السيدة مارية الزويني التي تعرضت للاعتقال التعسفي إن خصوصياتها كامرأة لم يتم احترامها في كل مراحل اعتقالها إذ خضعت بمعية أخريات لتعسفات وممارسات مهينة ناهيك عن كل أساليب الترهيب والإذلال.

وأضافت السيدة الزويني أن شهادتها تعكس معاناة المرأة المغربية في السجن من خلال التركيز على اللواتي مررن من نفس تجربتها وقاسمنها المعاناة.

وأوضحت السيدة الزويني التي ازدادت في 22 ابريل 1955 بمراكش أنها عانت كل أشكال التعذيب المعنوي والاذلال والاهانة بمعية معتقلات أخريات تتراوح أعمارهن مابين18 و22 سنة منهن لطيفة الجبابدي وخديجة البخاري ووداد البواب وفاطنة البيه.

وأكدت السيدة الزويني التي اعتقلت أول مرة في ثامن يونيو 1977 من بيت عائلتها بمراكش بعد حملة اعتقالات داخل الأحياء الجامعية والمنازل بحثا عن الطلبة المضربين أن من بين مظاهر عدم احترام خصوصيات النساء داخل مراكز الشرطة والمعتقلات سواء في مراكش والدار البيضاء ومكناس هو تعرضهن للتحرش الجنسي والترهيب إضافة الى انتزاع الحق في هويتهن كفتيات حيث تم تغيير أسمائهن الى أسماء ذكورية موضحة أن الحراس كانوا يسمونها ( عبد المنعم ) ولطيفة الجبابدي : ( سعيد) وخديجة البخاري : ( عبدالله) , وداد البواب : ( حميد) , وفاطنة :( رشيد).

وأضافت السيدة الزويني أن الدواء لم يكن يقدم سوى لمن تشرف من المعتقلات على الموت أما الأكل فكان توضع فيه الحشرات بشكل متعمد كما كن يرغمن على الإمضاء على المحاضر تحت الاكراه.

وتحدثت أيضا عن غياب النظافة بالنسبة للنساء خاصة في أوقات العادة الشهرية حيث تمتزج دماء الجراح التي تصل الى درجة من التعفن لاتطاق علاوة على اللجوء الى أساليب من التهديد المستمر بالاغتصاب.

وذكرت السيدة الزويني بأنها اعتقلت أول مرة في مراكش بمعية أخيها رشيد في فترة الامتحانات على يد أشخاص بلباس مدني داهموا منزلهم وقاموا بتفتيشه بشكل هستيري وزجوا بها بعد ذلك في مركز الامن بجامع الفنا بمراكش.

وأضافت السيدة الزويني أنها اعتقلت من أجل نشاطها في إطار اليسار الماركسي مشيرة الى انها قضت ليلة واحدة في مركز الامن اقتيدت بعدها مقيدة اليدين معصوبة العينين الى معتقل درب مولاي الشريف الذي قضت فيه مدة ستة أشهر.

وقد كان للزمن بالنسبة للزويني وقعه الخاص في نفسها , حيث كانت - كما تقول - تعد الساعات وتطمح لمعانقة الحرية لمتابعة دراستها التي قالت عنها إن أباها تحدى العائلة ببادية سيدي الزوين ناحية مراكش لكي يرسلها لتتابع دراستها بمراكش أولا ثم الرباط ثانيا حيث التحقت بكلية الطب.

وفي معرض تطرقها لمحاكمتها في3 يناير1977 , قالت إن هذه المحاكمة شابتها خروقات أدت بها الى خوض إضراب بمعية معتقلات أخريات من12 يناير الى5 فبراير 1977 حيث توفيت سعيدة المنبهي يوم11 دجنبر من السنة نفسها.

وقالت السيدة الزويني , التي استحضرت فترة الاعتقالات في السبعينات التي شملت العديد من المناضلين , إنها نقلت بعد ذلك الى السجن المدني بمكناس , ليتم تقديمها للمحاكمة بمعية معتقلات أخريات بعد أن تعرضن لمختلف الإهانات من سب وشتم من طرف الحراس مشيرة إلى أنها لم تحاكم واطلق سراحها بعدم المتابعة.

وخلصت إلى القول ِأن شهادتها تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة حتى لايتكرر ماجرى بالنسب ة للأجيال اللاحقة.

الضحية الشاهد السيد عبد الله أعقاو

قال الضحية الشاهد السيد عبد الله أعقاو أحد ضحايا الاختفاء القسري لمدة 18 سنة إن طي صفحة ماضي انتهاكات حقوق الانسان يستدعي قراءة متأنية لما وقع في الماضي واشراك كافة مكونات المجتمع المدني في خلق اطار سليم للتعايش بعيدا عن أي شكل من أشكال الانتهاكات.

واستعرض السيد عبد الله أعقاو وهو ضابط صف سابق في صفوف القوات الملكية الجوية خلال شهادة أدلى بها اليوم الاربعاء ضمن الجلسة الثانية لجلسات الاستماع العمومية التي تنظمها هيئة الانصاف والمصالحة المراحل التي قضاها رهن الاحتجاز بالمعتقل السري (تازممارت ) بعد أن صدر في حقه حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات من طرف المحكمة العسكرية بالقنيطرة اثر محاولة الانقلاب التي وقعت سنة1972 لا لشيء الا " لانني نفذت أوامر عسكرية" على حد قوله.

وذكر السيد أعقاو خلال هذه الجلسة التي بثت مباشرة على شاشة القناة الاولى للتلفزة الوطنية أنه نقل في غشت1973 صحبة مجموعة من زملائه من القنيطرة الى المعتقل السري تازممارت حيث أدخلوا الى زنزانات وصفها بانها " عبارة عن قبور أو مغارات شديدة الظلام لاتدخلها أشعة الشمس اطلاقا " وتحتوي على أسرة اسمنتية مفروشة بأغطية متهالكة تفوح منها روائح كريهة لاتحتمل وتضم كل واحدة منها ثقبا عبارة عن مرحاض وأواني من البلاستيك.

وأضاف أن الظروف السيئة للمعتقل السري تازممارت اضافة الى انعدام أبسط شروط النظافة وسوء التغذية والمعاملة السيئة للحراس الذين كانوا مجردين من كل حس انساني مما اضطره وزملاءه بعد فشل محاولاتهم المتكررة للاجتماع بمسؤولي المعتقل الى خوض سلسلة من الاضرابات عن الطعام كتعبير عن رفضهم لهذه الظروف.

وأشار الى أن العديد من زملائه الذين أعتقلوا إثر أحداث محاولة الانقلاب التي عرفها المغرب سنة1972 والتي تورط فيها الجنرال أفقير وأمقران وكويرة فارقوا الحياة داخل المعتقل مستعرضا نماذج لحالات الوفاة خاصة حالة زميل له انتحر نتيجة اصابته باضطرابات نفسية حادة و آخر توفي بعد أن ظل طريح الفراش لمدة ست سنوات ترتب عنها تآكل بعض أطراف جسمه وتعفنه.

وأضاف أن بعض المعتقلين نجحوا بعد ذلك في تسريب رسائل الى منظمات دولية خارج البلاد لاثارة الانتباه لاوضاعهم السيئة داخل المعتقل مما أدى الى مجيئ ممثلين عن منظمة العفو الدولية الى المغرب في الفترة ما بين سنتي1981 و1982 " الا أن المسؤولين آنذاك بالمغرب أكدوا لهم عدم وجود معتقل يحمل اسم تازممارت ولم يتمكنوا من زيارتنا". وأكد أن إصراره وزملاءه وتشبثهم بالامل جعلهم يواصلون بعث المزيد من الرسائل الى المنظمات الحقوقية الدولية خاصة بعد أن بلغ الى علمهم أن هناك نية لدفنهم بشكل جماعي وإخفاء أي أثر لهم وللمعتقل الى أن صدر قرار بالافراج عنهم سنة1991 وتسليمهم الى ذويهم وسط وابل من السباب والشتم.

الضحية الشاهد السيد مصطفى العمراني

قدم الضحية الشاهد السيد مصطفى العمراني شهادته حول ظروف اعتقاله وشتى أنواع التعذيب التي تعرض لها بعدما تم اختطافه في بداية الاستقلال سنة 1956.

وأشار السيد العمراني إلى أنه تعرض للاختطاف مع مجموعة من الأشخاص يوم سادس يونيو سنة 1956 على بعد 5 أو6 كلم من مدينة طنجة وتم نقله الى "جنان بريشة " بتطوان حيث تم تكبيله وتعذيبه. وتابع السيد العمراني " هناك أمروني بشرب فنجان قهوة شعرت بعده بالارتخاء ثم نقلوني إلى غرفة بها معتقلون آخرون حيث قضينا جميعا يومين أو ثلاثة أيام رهن الاعتقال تجرعنا خلالها شتى أنواع التعذيب".

وأضاف أنه بعد ذلك تم نقله رفقة معتقل أخر إلى مراكز اعتقال سرية بمدينتي الحسيمة والناظور حيث تم تقديمه إلى شخص طمأنه على أنه ورفيقه لن يحدث لهما أي مكروه وأنه على علم بنضاله. ووصف السيد العمراني المزداد سنة 1925 بتأثر كبير أشكال التعذيب التي تعرض لها وباقي المعتقلين حيث كان التعذيب ممارسة يومية شملت الضرب بالعصا وإفراغ الماء الساخن على المعتقلين مما كان يسبب لهم آلاما حادة.

وكشف السيد العمراني الذي شارك في الحركة الوطنية في شمال المغرب من خلال تنظيمات حزب الشورى والاستقلال عن حالات وفاة بعض رفاقه من شدة التعذيب الذي تعرضوا له.

"بعد أن قضينا مدة من الاعتقال بالناظور - يضيف السيد العمراني- تم نقلنا الى جنان بريشة حيث وجدنا أن عددا من الأشخاص أطلق سراحهم ( سي أحمد أمغار ومحمد توفيق وعبد السلام العدوي) ثم إلى دار سبتة القديمة حيث تواصل مسلسل التعذيب".

وقال السيد العمراني أنه وهو رهن الاعتقال كان يتساءل "ما الذنب الذي اقترفنا, لقد كافحنا وحملنا السلاح لتحرير بلادنا. أهذا هو جزاؤنا".

الضحية الشاهد السيد عبد الله حيدو

أكد الضحية الشاهد السيد عبد الله حيدو أنه لا بد من أن يعيش المواطن في ظل حماية حقوقه وحرياته وذلك من أجل بعث الثقة لديه بأن الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان لن تتكرر.

وأوضح السيد حيدو الذي اعتقل بتاريخ 13 غشت 1983 بالمحمدية ضمن مجموعة 71 التابعة لـ" الحركة الإسلامية " أنه يتعين الإقرار بالحقوق الفردية وبالحرية في التعبير وضمان وصيانة الحريات العامة من خلال تطبيق القانون العادل.

وأدان السيد حيدو " التمييع الذي يتردد حاليا " بشأن مضمون جلسات الاستماع بحيث يقال إنها "مجرد تعبيرات عن حالات نفسية فقط " وأكد أن هناك بالفعل " حالات فكرية وسياسية ومأزقا سياسيا للدولة " مشيرا إلى حقوق الفرد في جبر الضرر ومن خلاله حق المجتمع عبر إنصافه بضمان عدم العودة إلى الانتهاكات الجسيمة.

وأكد السيد عبد الله حيدو الذي دعا إلى خلق "مرصد وطني مراقب" في مجال حقوق الإنسان وتجاوز المأزق السياسي حتى لا يتكرر ما وقع على ضرورة إشراك أطراف أخرى مثل المجتمع المدني والقوى السياسية من أجل وضع " خطة اللاعودة إلى انتهاكات الماضي "بهدف الالتزام الفعلي باحترام حقوق الإنسان.

واستعرض السيد حيدو الذي عنون شهادته ب: "ونطق الصمت وتكلمت الجراح " الظروف الدولية والوطنية التي تزامنت مع اعتقاله مشيرا بالخصوص إلى الوضع في إيران والتدخل السوفياتي في أفغانستان وتفاعلات القضية الفلسطينية وكذا إلى "الاعتقال السياسي والطغيان السياسي وسوء توزيع الثروة" في المغرب.

وقال السيد حيدو الذي استعرض ظروف الاعتقال التعسفي ومختلف أصناف التعذيب الذي تعرض له, إنه باعتباره ابن هذا المجتمع "التزم الإسلام تعبدا وتدينا وأخلاقا" وهو في سن السادسة عشرة مضيفا أنه كان يحضر اجتماعات لتدارس الفقه والسنة والحديث والتفسير وأنه كان يهتم "بالدعوة إلى هداية الناس للصلاة والأخلاق الحميدة واحترام المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى القسط والشورى والعدل إيمانا بضرورة تحرير الناس من العبودية والطغيان السياسي" مع وعيه بأن "الواقع الأمني يرفض هذا التحرك" خوفا من "تكرار تجربة إيران".

الضحية الشاهد السيد احمد حرزني

قال الضحية الشاهد السيد أحمد حرزني "أنا لست ضحية أنا مناضل عارض ويعارض وسيعارض جميع أشكال الظلم والاستغلال والاستكبار وكذلك جل أشكال المسكنة".

وأضاف السيد حرزني أنه مع ذلك " فاني لم أولد معارضا " لأن " أبواي واخوتي خاصة أخواي الاثنين اللذين يكبراني سنا : محمد رحمه الله وعبد الله الحاضر معنا واساتذتي المغاربة والاجانب كل هؤلاء علموني ان اعز ما يطلب للنفس وللغير هو الكرامة".

وذكر بأن أول عمل سياسي قام به رفقة أخيه عبد الله تمثل فى شراء صورة لمحمد الخامس وقال في هذا الصدد إن هذا العمل " كان يوم الاعلان عن استقلال المغرب في الثامن عشر من نونبر1955 حين غمرت الفرحة منزلنا ذلك اليوم ومنحنا الوالد مع يعادل درهما فركضنا ولم نقف الا وسط سويقة مدينة صفرو التي كنا نقطنها انذاك لنشتري صورة لمحمد الخامس ومنذ ذلك الوقت والى أن التحق كل منا بالثانوية لم يمر موكب ملكي باحدى المدن التي قطناها الا وكنا من المستيقظين عن بكرة ابيهم - كما كانت تقول الاذاعة في ذلك الزمان - للمشاركة المتحمسة في استقباله".

وأشار الى أنه بدأ بعد ذلك فى الانخراط تلقائيا في المعارضة لما شعر مثل اترابه المنحدرين من طبقات شعبية بأن أهم مكسب اتى به استقلال المغرب, وهو الحق في التعليم وفي الترقي الاجتماعي بواسطة التعليم, أصبح مهددا بإقصاء فئة من التلامذة والتلامذة المحتملين أولا وبتدنية مستوى وإشعاع المدرسة المغربية العمومية لفائدة مدارس البعثات الأجنبية على الخصوص".

وبعد أن ذكر بأنه سرعان ما أصبح معارضا في أواسط الستينيات وبالتالى مستعدا لمواجهة القمع اعتبر أن ما يؤاخذ عليه الدولة المغربية في المرحلة الماضية " ليس كونها قمعتني , فالذي أؤاخذها عليه مسألتان : الأولى أن قمعها كان غير متناسب على الاطلاق مع الافعال المرتكبة ضدها , كنا نريد ملاكمتها فإذا بها تتدخل بالمدافع والدبابات".

وأشار الى أنه قد زاره المرحوم عبد الرحيم بوعبيد قبيل المحاكمة بتكليف من المحامي فقيد الحركة الديمقراطية المغربية عمر بنجلون الذي كان بدوره قد اعتقل في قضية اخرى وقال أن المرحوم بوعبيد " بعد ان القى نظرة الخبير على صك الاتهام جزم بان القضية كلها لا تعدو كونها جنحة صحفية ولا تستحق اكثر من ثلاثة اشهر سجنا في أسوا الحالات. فاذا بي يحكم علي بخمس عشرة سنة والأكيد ان الحصة كانت ستكون اثقل بذلك بكثير لو لم أكن من المعتقلين الأوائل كما يدل على ذلك كون شباب لم يخرجوا بعد من المراهقة قد حكم عليهم بالمؤبد". وهذا - يقول السيد حرزني - يثير مسألة ذات خطورة بالغة هي مسألة إنعدام استقلال القضاء في ذلك الزمن ولا أدرى هل تلام على هذه المسألة الدولة أم يلام عليها القضاة الافراد.

وأضاف السيد حرزني أن ما يؤاخذ عليه الدولة أيضا "هو أنها في قمعها لم تقف عند الأفراد المعنيين بل تجاوزتهم لتؤذي ذويهم وأقاربهم وحتى عشائرهم في بعض الأحيان".

وقال " في حالتي الخاصة اعتقل معي أخوا رفيقي وأخي وصديقي محمد باري وكان في بداية المراهقة ومكث في مخفر الشرطة مدة أطول من التي قضيناها . ومباشرة بعد الإفراج عنهما هاجر أحدهما إلى الخارج ولم يعد أبدا".

كما اعتقلت معي - يضيف صاحب الشهادة - السيدة التي كنت متزوجا بها آنذاك وهي الأخرى قضت في المخفر أكثر مما قضيت وكانت الى جانبها سيدة ثانية زوجة رفيقي العزيز أجهضت بسبب ما وقع لها .أما اخواتي لطيفة وخديجة وأمينة وأخي الاصغر ادريس, وكانوا كلهم في الابتدائي أو الاعدادي فإن بعض المحسوبين على الأمن لم يخجلوا من ملاحقتهم والتحرش بهم طوال أسابيع إن لم تكن شهورا كائلين لهم أنبى السباب في حق أخويهم عبد الله وأنا وهم في طريقهم إلى المدرسة".

وفي سياق حديثه عن التعذيب الذي مورس عليه قال "نلت منه نصيبي ولكنه نصيب أخف نسبيا من نصيب كثيرين آخرين .وأنا أميل على كل حال إلى الشفقة من المعذبين لأنهم هيهات أن ينالوا بأساليبهم من كرامة الكرماء .ومع ذلك ومع أننا في لحظة إنصاف ولحظة مصالحة, فإن واجب الانصاف بل وواجب الحقيقة يفرضان علي أن اقر بأن المرحلة الماضية لم تكن كلها ظلاما ولا كان رجالاتها كلهم رمزا للشر المطلق . لقد حوفظ رغم كل شيء خلال تلك المرحلة على حد أدنى من الحريات العامة - حرية الاجتماع وحرية التنظيم وحرية التعبير - وفي كثير من الاحيان على حد أدنى من الشكليات القانونية, هذا عدا عما أنجز في ميادين الوحدة الترابية والسياسة الخارجية والبناء الاقتصادي".

وشدد في هذا السياق على أنه " من الصعب أن لا يرى المرء في كل ذلك دورا للملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله . بالمقابل لابد من الاعتراف أيضا, فيما يخصني على الأقل, بأنني لم أكن ملاكا وبأن ثقافتي لم تكن ثقافة ديموقراطية وبأنني لمأكنأستثنيالعنف كوسيلة لتطبيق ما كنت أعتقد أنه الخط الصحيح".

ودعا مجددا ب" الرحمة الواسعة على الملك الراحل الحسن الثاني وفي نفس الوقت لجميع الحطب الكريم لتلك المرحلة للمهدي بنبركة ولعمر دهكون ولمحمود بنونة وجبيهة رحال ومصطفى الوالي وابراهيم التزنيتي وزروال وسعيدة المنبهي وغيرهم كثيرون".

كما دعا ب" العمر المديد وبالتوفيق للفتى النبيل المقدام غير المستكبر الذي لولا طبعه الديمقراطي ولولا عزمه على إخراج البلاد من دائرة الخطر لما كنا لنجتمع اليوم لنؤسس جميعا لتصالح المغرب مع ذاته ولنهضة المغرب ولعزة المغرب, وأعني جلالة الملك محمد السادس ملك المغرب . وبالتوفيق لمساعديه وعلى رأسهم اعضاء هيئة الانصاف والمصالحة وللمناضلين الحقوقيين والديمقراطيين ولكل الغيورين والغيورات على مستقبل هذا البلد".

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma