Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

عرس الحقيقة والمكاشفة، بقلم عبد الجبار السحيمي

نشر بجريدة العلم بتاريخ 26 دجنبر 2004

بعد أن أكملت يومين من الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة، وجدتني غير قادر، لا عن استخراج عنوان أو وصف أو تعليق عما حدث وما استمعت إليه طيلة جلستي الاستماع للضحايا.

كل كلام سيكون بالتأكيد عاجزا عن التعبير، أو مداراة الخدوش والجراح النفسية التي كانت كسكاكين تنغرس في دواخلنا مع كل عرض من عروض ضحايا الانتهاكات. ولأنني كنت أخربش في مفكرتي الصغيرة وأنا أتابع العروض، فقد عدت للمفكرة التي أسعفتني لا بعنوان واحد، بل بعناوين متعددة كنت أسجلها على الورق باستعجال وعفوية. وقرأت على أوراق المذكرة الصغيرة هذه الكلمات التاريخ لاينسى. الذاكرة لاتنسى . هل هي الثورة على المغرب القديم، هل هو ميلاد مغرب آخر؟ وطن يتصالح مع نفسه . نطق الصمت وتكلمت الجراح. مجتمع يكتشف خجل الصمت ... وعناوين كثيرة أخرى مستوحاة من عروض ومداخلات ضحايا الانتهاكات.

أجد حرجا، إذ أفكر أو أصرح بأنني، وجدت الألم عما كان يقال، لا يفيد التعبير عنه بالكلمات الميتة والحروف المتداولة، لكن الأغرب من العجز أنني كنت أشعر بمتعة تحلق بي في فضاء القاعة. روعة كلمات السيدة أمي فاطمة، ببساطة وصباحة وجهها، بابتسامتها وهي تحكي عن مفارقات ما كان يحدث لها، حين يسرق حراس السجن، أمامها وأمام أمهات المعتقلين، الطعام الذي كن يأتين به إلى أبنائهن المعتقلين بالسجن المدني بالقنيطرة، فالحراس كانوا لا يخفون عن الأمهات سطوهم على القفة والطعام الذي جئن به من مدن مغربية بعيدة، وكيف كانت السيدة فاطمة، المهمومة بابنها المعتقل أو الميت، فهي لم تكن تعرف مصيره منذ أخذ منها، وهي مهمومة أيضا برعاية وضيافة الأمهات القادمات من المدن البعيدة.

وهي لم تكن لا حاقدة ولا ناقمة، وبتلقائية وعمق كانت تحكي، عن اعتقال الأمهات داخل وزارة العدل، حين كن يسألن عن مصير أبنائهن، وكان عتابها لمن زارتهم، صحفا أو أحزابا طالبة المساندة، عتابا لطيفا رقيقا، تقوله وهي تبتسم، لقد واسونا ونحن نعذرهم. هكذا كان تدخل أحمد بنمنصور، وجمال أمزيان، ورشيد المانوزي وشاري الحو، والغالي برا، وسعد الله صالح، ومصطفى العمراني، وعبد الله أعكاو، ومارية الزويني، وعبدالله حيدو، وأحمد حرزني الذي جاء تدخله برؤية مختلفة.

وفي كل العروض، تكررت من ضحية لأخرى نفس التعبيرات حتى لاتتكرر تجاوزات الماضي. نرجو الله أن ينجي أبناءنا وأحفادنا من تلك المظالم. يعجز اللسان عن وصف ما كان. لا يجب أن تتكرر بأرضنا وبلادنا تلك الجرائم. جحيم جرائم الاختطاف. الفاركونيت. كوميسارية المعاريف. زبانية درب مولاي الشريف. الكوربيس. الباندا. الجلادون. وإذا كانت ردود الفعل الخارجية إيجابية لهذا السبق الذي اخترق به المغرب الصمت في اتجاه القطيعة مع فترة قاتمة من تاريخ المغرب الحديث، فإن الأكثر إيجابية هو هذا العرس الذي انخرط فيه الجميع من خلال جلستي الاستماع الذي نظمته هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث أمكن للمعتقلين المعذبين أن يبوحوا بمعاناتهم، وأن يداووا جراحهم بالبوح وأن يجدوا لدموعهم المتحجرة آذانا صاغية ومتفهمة ومتضامنة.

بقي السؤال الملح، هل يمكن أن نعتبر ما كان طيّاً للصفحة؟ ربما، غير أن بعض الأصوات، خاصة من المجتمع المدني والفعاليات السياسية لها سؤال آخر، وبالأحرى اعتراض مشروع، لماذا لا يكون ماحدث ليلتي الثلاثاء والأربعاء إرهاصاً بفتح الصفحة، ولماذا لايكون ما حدث، على أهميته، فاتحة للاستماع إلى الأصوات الأخرى، التي قاربها الأستاذ حرزني في تدخله، وأضاءها الدكتور محمد عابد الجابري في الحوار الذي أجرته معه التلفزة المغربية ليلة الجمعة؟

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma