Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

جلسات الاستماع العمومية ورد الاعتبار للنضال الديمقراطي ، بقلم: محمد اليازغي

 
بانعقاد جلسات الاستماع العمومية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يكون المغرب قد قطع خطوة ثابتة وجريئة في اتجاه التأسيس لعهد جديد تسود فيه دولة الحق والقانون، وتسمو فيه كرامة المواطن وحقوق الإنسان•

إنها خطوة تلقاها الرأي العام الوطني والدولي بكل ما يليق بها من مشاعر الإشادة والارتياح، باعتبارها شكلت وبكل المقاييس، مبادرة قوية وشجاعة، سواء في منهجيتها ومضامينها، أو في سياقها ومقاصدها•

فهي بالتأكيد خطوة لا سابق لها في كل أقطار عالمنا العربي والإسلامي، ولكنها أيضا خطوة لا مثيل لها في مختلف التجارب التي أبدعتها شعوب أخرى في مجال العدالة الانتقالية، حيث استطاع المغرب أن يبتكر نموذجه الخاص الذي يتأسس على مفاهيم التسوية العادلة والتجاوز الإيجابي، والإرادة المشتركة في الإصلاح ضمن سياق انتقال ديمقراطي مبني على الحوار والتوافق•

لقد سبق أن عبرنا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عن ارتياحنا لقرار جلالة الملك بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة في شهر يناير المنصرم، وكان أملنا صادقا، ومنذ البداية، في أن تتوفق هذه الهيئة في إنجاز مهمتها التاريخية، المتمثلة في الكشف عن حقيقة انتهاكات الماضي ورد الاعتبار للضحايا، وخلق جو يساعد على إقرار المصالحة والطي النهائي لصفحة الماضي•

واليوم، فإن جلسات الاستماع العمومية التي يتابعها الشعب المغربي عبر شاشة التلفزة، هي فضلا عن قيمتها الحقوقية والبيداغوجية، مناسبة وطنية كبرى لتأكيد التوجه نحو الإصلاح والتغيير، ولترسيخ الثقة في الذات وفي المستقبل•

وإذا كان لابد أن نرحب اليوم بهذه الجلسات العمومية، وأن نشد على أيادي الضحايا الذين تطوعوا لتقديم شهاداتهم، ونهنىء أعضاء الهيئة الذين توفقوا في هذه العملية على مستوى التصور والإنجاز، فإننا لسنا اليوم بصدد إنجاز أي تقييم شامل لعمل هيئة الإنصاف والمصالحة، إذ سوف تتاح المناسبة قريبا، عندما تقدم الهيئة تقريرها النهائي، وآنذاك سيقول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كلمته التي سيكون لها وقعها في هذا السياق، وذلك ليس فقط لأنه حزب المهدي وعمر، أو لأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان نالت أوفر حصتها من قادة ومناضلي الاتحاد، الذين سقطوا في ساحة النضال ضحايا لجرائم سياسية ولشتى أشكال البطش والقمع والتنكيل، ولكن أيضا لأن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقدر ما يتمسك بالكشف عن الحقيقة وبالتسوية العادلة لملفات الماضي، بقدر ما يلتزم بمسؤوليته تجاه حاضر البلاد ومستقبلها، أقصد مسؤولية إنجاح الانتقال الديمقراطي، وتحصين مساره ضد أي ارتداد أو تعثر أو انحراف•

فانطلاقا من موقع هذه المسؤولية النضالية والتاريخية، كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سباقا منذ منتصف التسعينات إلى المساهمة الفاعلة في إقرار المصالحة الوطنية من بعض جوانبها السياسية، حيث أصبحت هذه المصالحة واقعا ساريا قبل أن تصبح غاية منشودة•

لذلك، يتعين القول إن تحمل الاتحاد للمسؤولية وقبوله بالمشاركة، هو انخراط حاصل في مسار المصالحة، وسعي متواصل لتوسيع نطاقها وتعميق مفعولها، ليس فقط من خلال إنصاف ضحايا الانتهاكات، ولكن أيضا من خلال رد الاعتبار لنضالهم من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولن يتأتى ذلك طبعا إلا عبر منهجية ديمقراطية تسترجع فيها المشاركة السياسية مدلولها الحقيقي، وتنهض فيها المؤسسات بكامل وظائفها في إطار وضوح الصلاحيات وشفافية الممارسة• وتلك هي المصالحة الشاملة التي ينشدها المغاربة•

نشر بجريدة الإتحادالإشتراكي بتاريخ 26 دجنبر 2004

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma