Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

هيأة الإنصاف والمصالحة في الجلسة الثانية لجلسات الاستماع العمومية، بقلم مصطفى العراقي

جاؤوا من مختلف مناطق جغرافية الوطن ومن حقبه السياسية المختلفة، منذ السنة الأولى لاستقلاله ، يحملون معهم معاناة أجيال تعددت أحلامها ورعب تجارب تنوعت مآسيها •

جاؤوا مساء أول أمس إلى الجلسة الثانية من جلسات الاستماع التي تنظمها هيأة الإنصاف والمصالحة في سياق معالجتها لملفات الإنتهاكات الجسيمة التي طالت حقوق الإنسان بالمغرب•

كانوا ستة، كما في الجلسة الاولى، يتوسطون أعضاء الهيأة، خلفهم عدد من الذين ذاقوا عذابات المعتقلات السرية والعلنية أو ذويهم الذين اكتووا بنار غياب الأب أو الأخ أو الأخت ••• أمامهم، حضورا، المشهد السياسي والحقوقي والنقابي والتربوي ••••ومشاهدة واستماعا، شعب يسعى إلى المصالحة، مثلهم ، مع ماض وتاريخ مؤلم ومثقل بالجمر والرصاص •••

في البدء تحدث صلاح الوديع عضو الهيأة ليقدم الضيوف الشهود والضحايا الضيوف " • ورسم سعد الله صالح مسار معاناته، مسار كانت محطـــاته في بداية الستينات كوميسارية المعاريف ومركز درب مولاي الشريف والكوربيــس، أمكـــنة كان الـــداخل فيــها مفـــقودا•• والعشرات فقدوا في صمت رهيب، والخارج منها مولودا، وكل من خرج كانت ولادته الجديدة مشوهة بفعل آثار التعذيب المادي والمعنوي •

كان سعد الله يغالب دموعه بين الفينة والأخرى وهو يحكي بعضا من تفاصيل المسار، من جلسات الحجاج "(الجلادين)• آلة خفيفة يضعونها على فمك اسمها النحيلة لن تفارقك إلا والفكان معوجان والألم، أبشع الألم يسري في وجهك وجسمك ••• كهرباء ••• طيارة ••• فلقة •••"• ومن سنوات الخمسينات (/1956 1957 ) تحدث مصطفى العمراني الذي كان عضوا بحزب الشورى والاستقلال، متحدثا عن آلام لاتزال موشومة في الذاكرة رغم مرور نصف قرن على وقائعها : دار بريشة التي استضافت المئات من المواطنين لتقدم لهم وجبات دسمة من التعذيب وإهانة آدميـتهم •

ومن عقد السبعينات أدلت ماريا الزاوي بشهادتها حول مرحلة كانت فيها طالبة بكلية الطب بالرباط، عادت، أيام الامتحانات، إلى مراكش لتخبر عائلتها باعتقال أخيها، لكن البوليس تلقفها قبل أن تعود إلى مقعد الكلية لتكمل الاختبارات ويحطم كل آمالها التي راودتها، وهي لم تتعد سن العشرين• كانوا ست مناضلات بسجن اغبيلة وصلن إليه وعشرات من رفاقهم، بعد محطات المعاريف ودرب مولاي الشريف• وفيه استكمل الحجاج وجباتهم بإبراز أحط التعامل مع المرأة السجينة•

ومن جحيم تازمامارت جاءت شهادة عبد الله أعكاو ضابط الصف الذي حكم عليه سنة 1972 بثلاث سنوات سجنا عقب أحداث قصف الطائرة الملكية • لكنه وعدد من رفاقه وجدوا أنفسهم بدل مغادرة السجن العسكري بالقنيطرة ينقلون إلى هذا المعتقل الذي أنكرت السلطات وجوده لعدة سنوات• ظلمات خلف أبواب حديدية وأجساد تتآكل ببطء فوق الإسمنت، تنخرها برودته ورطوبته ليلتصق به لحم العديد منهم قبل أن يفارقوا الحياة بأنين خافت وأطراف مشلولة بشكل كلي ••• عبد الله أشار إلى أن معاناته لم تنته بعد• فقائد المنطقة التي يقطن بها مازال يضايقه وبعض البوليس يبتز أصدقاءه والدرك يقتحم البيت من سطحه ••• وحتى حضوره إلى جلسات الاستماع كانت موضع أسئلة من طرف القائد •••

شهادة عبد الله حيدو الذي اعتقل وهو في سن العشرين ، ذكر في شهادته ماعاناه وهو في درب مولاي الشريف، حيث القيد في اليدين والعصابة على العينين لم تفارقه مدة ستة أشهر، وأن ذلك أثر على بصره بعد أن غادر السجن •••

الجلسة الثانية توجت بشهادة المناضل أحمد حرزني الذي استعاد ذكرياته الأولى مع العمل السياسي وأبرز محطاته النضالية وهو ابن عائلة مناضلة ذاق أفرادها القمع والتنكيل• نلت نصيبي من التعذيب، ولكنه نصيب أخف نسبيا من نصيب كثيرين آخرين• وأنا أميل على كل حال إلى الشفقة من المعذبين لأنهم هيهات أن ينالوا بأساليبهم من كرامة الكرماء• ومع ذلك ومع أننا في لحظة إنصاف ولحظة مصالحة، فإن واجب الانصاف بل وواجب الحقيقة يفرضان علي أن أقر بأن المرحلة الماضية لم تكن كلها ظلاما ولا كان رجالاتها كلهم رمزا للشر المطلق • لقد حوفظ رغم كل شيء خلال تلك المرحلة على حد أدنى من الحريات العامة - حرية الاجتماع وحرية التنظيم وحرية التعبير - وفي كثير من الأحيان على حد أدنى من الشكليات القانونية، هذا عدا عما أنجز في ميادين الوحدة الترابية والسياسة الخارجية والبناء الاقتصادي"•

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma