Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الدرس المغربي، بقلم محمد كريشان

خطوة تاريخية بكل المقاييس تلك التي تجاسر المغرب علي قطعها بإقدام هيئة الإنصاف والمصالحة علي فتح ملف زهاء الـــ 22 ألف سجين سياسي سابق ومعتقل بهدف رسم صورة كاملة عن حقيقة ما جري لهؤلاء من ملاحقات جائرة وتعذيب وتنكيل في الفترة الممتدة من 1956 إلي 1999 مع تحديد القائمة الكاملة للضحايا والأسباب والمسؤولين، وصولا إلي سن قانون يعرض علي البرلمان يهدف إلي إعادة إدماج هؤلاء في المجتمع وإنشاء صندوق مخصص للتعويضات والرعاية كما أعلن ذلك إدريس بنزكري رئيس هذه الهيئة.

الرائع في الموضوع كله أن هذه الخطوة غير المسبوقة في البلاد العربية لم تبق حبيسة لجان وتقارير سرية ترفع توصيات خجولة ومحدودة لأعلي هرم الدولة للبت فيها وإنما وضعت بالكامل علي قارعة الطريق من خلال تنظيم جلسات استماع للضحايا نقلت مباشرة علي الهواء في التلفزيون الرسمي بدأت في العاصمة وستتواصل الشهر المقبل في مدن أخري، تشفع بندوات مع سياسيين وأحزاب ونقابات وشخصيات بارزة في المجتمع المدني لتحليل الوقائع التي عرضت والوقوف عند الأسباب التي جعلت الدولة وأجهزتها تلجأ لهذه الممارسات وكيف السبيل للحيلولة دون تكرار هذه الصفحات الأليمة.

الاستماع لضحايا انتهاكات حقوق الانسان في المغرب رسالة مصالحة كبيرة أقدم عليها بشجاعة الملك محمد السادس رغم أنها قد تمثل، شئنا أم أبينا، محاكمة علنية لواقع الحريات في عهد والده الراحل الحسن الثاني، وقد وجد الشجاعة لأن يفعلها في نوع من التعهد غير المعلن لشعبه كافة بأنه لن يكرر المأساة. ما جري لا ينتقص من قيمة البلاط المغربي في شيء بل سيكون علي الأرجح مناسبة لتجديد الثقة فيه، وهو علي كل حال لن يهدد بحال العاهل المغربي بل سيزيده شعبية وشرعية وهو ما لا يتوافر لغيره في البلاد العربية ولا سيما الجمهوريات منها لأنها إن فعلت الشيء ذاته فلن يكون مطلب الشعب في اليوم الموالي سوي دعوة رؤسائها إلي الرحيل، وهو ما ليس واردا في المغرب وما صهره التاريخ من علاقة خاصة بين الشعب وأقدم مؤسسة ملكية عربية وأعرقها.

ليس مطلوبا بالضرورة أن تكون لبقية الدول العربية نفس جرأة المغرب وشجاعته وثقته في نفسه ولكن المطلوب علي الأقل الشروع في معالجة هذا النوع من الملفات ولو بصمت وعلي مراحل، أما أن يستمر التغاضي عن كل صنوف انتهاكات حقوق الانسان وفوق ذلك تمتع مقترفيها بالحصانة من سياسيين ومحققين وجلادين بل وقضاة كذلك ممن رضوا لأنفسهم أن يشكلوا غطاء قانونيا للظلم فذلك مما لا يمكن استساغته بحال من الأحوال. ليس مطلوبا من تلفزيونات هذه الدول نقل شهادات التعذيب مباشرة لأنها بالأساس مشغولة بما هو أهم مثل مباريات كرة القدم والكليبات وبرامج التفاهة وحمي المسابقات، ولكن علي الأقل ألا تقدم السلطات علي تعطيل صدور هذه الصحيفة أو تلك ممن تجاسرت ونشرت شهادات من هذا القبيل في حين يفترض أن تأمر بفتح تحقيق فيما نشر.

الاعتذار أولا ورد الاعتبار ثانيا لن يعفيا الرباط بالتأكيد، استكمالا لخطوتها الجريئة، من متابعة صارمة منذ الآن لأي انتهاك جديد ومحاسبة المسؤولين عنه لأن هذا ما يضفي حقا المصداقية الكبري علي مجمل العملية الجارية حاليا حتي يعرف الجميع أن هذا النوع من الممارسات المهينة في حق المناضلين السياسيين وكافة فئات الشعب الأخري ما كان لها أن تتم وغير مسموح أبدا أن تتكرر. ومن هنا وجاهة إنشاء مرصد وطني لحقوق الانسان يشعل الإشارات الحمراء في وقتها حتي يقف الجميع عندها عوض التصفير والمحاسبة بعد تجاوزها، علي أهمية ذلك.

- جريدة القدس العربي (29 دجنبر 2004 )

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma