Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الإنصاف والمصالحة : من أجل الماضي والمستقبل

سيبدأ، من يومه الثلاثاء عشرات المغاربة ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان لتقديم شهاداتهم في الجلسات عامة ستنقل عبر الإذاعة والتلفزة. وبذلك سيكون أمام كثير ممن تعرضوا خلال ما أصبح يسمى ب"سنوات لرصاص للاعتقالات العشوائية وللاختفاء القسري وللتعذيب والتهجير والمحاكمات لصورية، منذ الاستقلال وما ترتب عن ذلك من ذلك التاريخ إلى اليوم من الآلام والمعاناة ولا يزال بعضهم ممن كتبت له الحياة إلى اليوم، وكذلك أقاربهم يعانون من آثارها النفسية والعائلية والاجتماعية إلى يومنا هذا، أصبح بإمكان هؤلاء أن يتكلموا وأن يزيحوا عن صدورهم كل الخوف في أن يتجاوزوا محنتهم الداخلية وأملا من المغاربة جميعا أن يتكرر ذلك الماضي الأليم.

ولايمكن لمنصف إلا أن يقر بأن هذه الخطوة تعتبر إحدى أهم الخطوات في مسلسل تحسين وضعية الحقوقية للمغرب ومصالحته مع تاريخه وذاكرته من أجل أن ينخرط الجميع في بناء الحاضر، وهو المسلسل الذي أطلق مع بداية التسعينات في عهد الملك الراحل الحسن الثاني واصله بخطوات جريئة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره، وخاصة من خلال سماح بعودة كثير من المنفيين وتأسيس هيئة تحكيم المستقلة لتعويض ضحايا التعذيب والتي استفاد منها حوالي 4000 شخص، وانتهاء نشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي يتجاوز تعويض الضحايا الانتهاكات الجسيمة إلى إلقاء الضوء على الانتهاكات والآلام المعاناة التي تعرض لها الآلف المغاربة منذ الاستقلال، وكشف حقيقة ما جرى في تلك السنوات وصولا إلى استخلاص الدروس والعبر والإصلاحات القانونية والمؤسسية اللازم اتخاذها من أجل ضمان عدم تكرار ما حدث، فضلا عن جبر الضرر الذي يتعدى التعويض المادي إعادة الاذماج النفسي والاجتماعي والجسدي والإداري للضحايا، وتحمل الدولة لمسؤوليتها في بيان مصير المختفين والمفقودين وتسليم أهالي الضحايا شهادات وفاة إلى غير ذلك من الإجراءات العملية والرمزية الهادفة إلى تحقيق المصالحة بعد الإنصاف.

قد نتفق أو نختلف كما يختلف قد يختلف عدد من المراقبين الحقوقيين والسياسيين مع هذه المقاربة خاصة فيما يتعلق بكون الهيئة غير معنية بتحديد المسؤوليات الجنائية ولا بتعيين أسماء المسئولين عن التعذيب أو متابعتهم قضائيا ومعاقبتهم. وقد نذهب كما يذهب البعض إلى أن فلسفة المصالحة القائمة على الصفح هي خلق إسلامي رفيع مستلهم من السيرة النوبية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة فاتحا، وكان قد أهدر دم كثير ممن ارتكبوا جرائم في حق المسلمين في العهد المكي ثم لما قدر عليهم سألهم ما تظنون أني فاعل بكم: قالوا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتهم الطلقاء، وقد يقولون أن ذلك الصفح يسمر أولا باعتراف الذين ارتكبوا التجاوزاتهم، لكن من الإنصاف رغم ذلك أن نعترف بأن تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة والخطوة البيداغوجية التي تبدأ اليوم المتمثلة في جلسات الاستماع العمومية هي خطوة تاريخية وجريئة.

لكن ما هو أهم من ذلك التأكيد أن المصالحة مع التاريخ تبدأ بالإقلاع النهائي في واقعنا الحالي عن جميع تلك التجاوزات مثل العودة إلى أسلوب الاختطافات، والتعذيب في المعتقلات السرية والمحاكمات غير العادلة التي لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال ولو بوقوع اعتداءات مثل اعتداءات 16 ماي 2003. فقوة المغرب اليوم وصورته تبقى فيما أنجزه من خطوات جريئة في المجال الحقوقي، ولا يجوز لبلادنا أن تنقض عزلها من بعد قوة أنكاثا كما فعلت تلك المرأة الخرقاء التي أشار إليها القرآن الكريم التي كلما أكملت غزلها عادت لتنقضه وتنكثه.

ولذلك فكما يسعى المغرب بجرأة للتصالح مع تاريخه وجب أن يتصالح مع واقعه وذلك بإصلاح كل الأخطاء والتجاوزات التي وقعت على خلفية أحداث 16 ماي التي تتنافى فيها الصرامة في التعاطي مع من ثبتت مسؤوليته فيها مع مراعاة مقتضيات دولة الحق والقانون، مما يقتضي إعادة النظر في الخروقات والتجاوزات التي شابت التعامل مع هذا الملف سواء أثناء التحقيقات أو أثناء المحاكمات، ومما يقتضي الإقلاع عن كثير من الخروقات التي لا تزال تعرفها بلادنا والتي تمس بالحقوق الفردية والحريات العامة مثل حرية التجمعات والحق في تأسيس الجمعيات والحق في التظاهر السلمي، وعدم اللجوء إلى العنف ضد المتظاهرين بطريقة سلمية وحضارية.

نشر بجريدة التجديد بتاريخ 21 دجنبر 2004

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma