Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

هيئة الإنصاف والمصالحة تنظم الجلسة الاولى ضمن سلسلة جلسات الحوار حول الانتقال الديموقراطي على ضوء الاحداث السياسية الكبرى المرتبطة بالانتهاكات

نظمت هيئة الإنصاف والمصالحة يوم الثلاثاء 15 فبراير 2005 الجلسة الأولى ضمن سلسلة جلسات الحوار التي تعقدها بالموازاة مع جلسات الاستماع العمومية، وتهدف إشراك الرأي العام في تفكير صريح ومسؤول حول السياقات السياسية والفكرية والتاريخية لانتهاكات حقوق الإنسان التي عرفها المغرب منذ بداية الاستقلال، والأسباب التي أدت إلى حدوثها، والانعكاسات التي خلفتها على التطور السياسي في المغرب.

وخصص موضوع الجلسة لإشكالية الانتقال الديمقراطي على ضوء الأحداث السياسية الكبرى المرتبطة بالانتهاكات التي عرفها المغرب مند الاستقلال ومقومات النظام السياسي والتجارب الدولية للعدالة الانتقالية.

ونظمت الجلسة بمقر المجلس الاستشاري لحقوق الانسان بالرباط، وجرت في شكل حلقة نقاش أدارها الأستاذ محمد الطوزي وشارك فيها الأساتذة إدريس بنزكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة وعبد الإله بلقزيز وعبد الأحد السبتي ونور الدين أفاية. وحضرها جمهور من زهاء مائتي شخص يمثلون الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وممثلي وسائل الإعلام.

وستبث وقائع هذه الجلسة وجلسات الحوار الأخرى الخمس التي ستنظم كل يوم ثلاثاء ابتداء من 15 فبراير 2005 والى غاية 22 مارس 2005 عبر القناة الثانية للتلفزة المغربية كل يوم أربعاء على الساعة التاسعة مساء، كما ستبث على امواج الإذاعة الوطنية.

وركزت هذه الجلسة على مقاربة إشكالية الانتقال الديموقراطي على أساس قراءة جلسات الاستماع العمومية التي شرعت هيئة الإنصاف والمصالحة في تنظيمها في 21 دجنبر 2004 من حيث الفائدة والمغزى منها وما مدى وقعها التربوي على الرأي العام وآثارها في الثقافة السياسية الوطنية، وكيف يمكن تحليل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب على ضوء سياقات التاريخ السياسي المغربي ومقارنة بتجارب دولية أخرى.

كما ركز النقاش على التطور الذي يعرفه المغرب حاليا في مجال معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان انطلاقا من مقاربة هيئة الإنصاف والمصالحة ومن الأدوار التي يقوم بها المجتمع المدني والسياسي وما هي عوائق الانتقال الديموقراطي في المغرب وكيف يمكن تطوير مقاربات وأدوار الفاعلين في المجتمع السياسي والمدني من أجل تسريع الانتقال الديموقراطي في المغرب على ضوء التجارب الدولية في هذا المجال.

وقد أبرز السيد محمد الطوزي أن هذه الجلسة الحوارية الاولى تطمح لتقديم قراءات لاشكالية الإنتقال الديموقراطي على ضوء معايير وقيم حقوق الانسان ومبادئ الديموقراطية ومن خلال تسليط الضوء على سياقات الانتهاكات الماضية لحقوق الانسان التي عرفها المغرب منذ الاستقلال ومحاولة تحليل مقومات النظام السياسي والثقافة السياسية والوقوف على مكامن الخلل وعناصر القوة فيهما. وشدد على أهمية تحليل المرحلة من موقعها في الانتقال السياسي الذي يعرفه المغرب والتفكير الهادئ والحث على التفكير المجتمعي ومساءلة المرحلة الماضية على المستوى النظري في محاولة لاستشراف المستقبل والتفكير الجماعي.

وقال إن ما يعيشه المغرب حاليا لا يمكن اختزاله فقط في جلسات الاستماع بل يجب التعامل معه في سياق مسلسل شامل للانتقال الديموقراطي، متسائلا عن مدى انخراط المجتمع في هذه الديناميكية وهل ثمة نوع من الميثاق السياسي ببنود أو شروط للتأسيس للمرحلة المقبلة والتي أبرز أهدافها العمل على تأمين المستقبل وجعل السياسة ممارسة شرعية وواجبا وطنيا.

ومن جهته أوضح السيد إدريس بنزكري أن جلسات الاستماع العمومية لضحايا انتهاكات حقوق الانسان هي جزء من عمل ضخم تقوم الهيئة بإنجازه يشمل في جوانب منه البحث والتحقيق حول الانتهاكات للوقوف عليها، مشيرا الى أن جلسات الاستماع هي بالفعل لحظة تاريخية تساهم ف يتوسيع مجال الحريات لكنها بالأساس تكتسي بعدا بيداغوجيا من حيث كونها فرصة للضحايا للتعبير عن المعاناة والبوح واسترجاع كرامتهم.

وأضاف أن الهيئة تقوم بعمل تحقيقي وتاريخي وبحثي كبير في مجال تحليل الانتهاكات السابقة في مجال حقوق الانسان واستجلاء سياقاتها مشيرا الى دراستها لأكثر من 20 ألف ملف ولنحو 20 حدث اجتماعي وسياسي وإنجازها لدراسات وتحقيقات دقيقة حول أحداث معينة في فترات زمنية تعترضها فيها في كثير من الأحيان إشكالات منهجية وصعوبات. وذكر بأن فكرة تدبير الماضي بشكل حقوقي وسياسي بدأت تطرح في بداية التسعينات حيث أصبح هناك نوع من الحداثة في التعامل مع الموضوع ساهمت فيه ظرفية وطنية ودولية وواكبته تحولات سياسية ومجتمعية واقتصادية لكن لم يكن ثمة من تأثير خارجي بمعنى إملاءات، وذكر بالتحولات الكبرى التي عرفها المغرب في مسارات مختلفة والتي تعزز من عمل هيئة الإنصاف والمصالحة من قبيل إصلاح مدونة الأسرة وما تضمنته من مقاربة لحقوق المرأة بشكل متقدم.

وأوضح السيد بنزكري ان هناك على الصعيد العالمي حوالي 30 تجربة ناجحة في مسلسلات المصالحة والعدالة الانتقالية وهي في جميعها أشكال مختلفة لنماذج الانتقال فيها شكل من أشكال المساءلة حسب طبيعة الانتقال وقاسمها المشترك هو السعي لتقديم إصلاحات جوهرية لصالح المستقبل.

أما السيد عبد الإله بلقزيز فقد اعتبر أن جلسات الاستماع العمومية لضحايا ماضي الانتهاكات تمثل عنوانا من عناوين المشهد السياسي الرئيسية وثمرة لصيرورة من التراكمات السياسية التي تحققت في السنوات الأخيرة مؤكدا أنها حدث جريء وغير مألوف في التاريخ السياسي المغربي يتمثل في فتح البلاد لجراحاتها وإعادة النظر في صفحات من تاريخها بكل جرأة أمام المراجعة والنقد الذاتي.

وأضاف أن هذه الجلسات هي أيضا مناسبة لكي يحاكم المغرب حقبة تاريخية بشجاعة وجرأة مشيرا الى أنها لم تأت كما حصل في بلدان أخرى نتيجة تغيير سياسي في النظام السياسي بل انطلقت في سياق الاستمرارية التاريخية لنفس النظام السياسي وفي ذلك فرادة النظام السياسي المغرب،متسائلا عما إذا كانت تندرج في إطار احتواء ملف يطرح نفسه باستمرار أم في إطار رغبة اكيدة للنظام السياسي في إحداث التغيير.

وأشار السيد بلقزيز الى أن مساهمة جلسات الاستماع في شروط إعادة كتابة التاريخ كانت مهمة ليس من باب أن هذه الشهادات قدمت رواية مختلفة عن الرواية الرسمية وإنما أيضا لأن هذه الرواية اختزلت معطيات لم تكن بحوزة كثيرين أو كانت محرمة ومسكوتا عنها. واعتبر ان هذه الجلسات والشهادات التي تقدم في إطارها هامة للغاية من أجل إعادة كتابة فصول من التاريخ الوطني لثلاثة أسباب أولها أن الكثير من الموانع على المستوى الرسمي التي كانت تحول دون كتابة التاريخ أصبحت تضمحل وهوامش الحرية تتسع وثانيا لكون الكثير ممن كانوا ذواتا أو موضوعا لكتابة التاريخ أصبح بمقدورهم اليوم البوح والتعبير بكل حرية بفضل هذه الحركية وثالثا تغير في العلاقة بين المركز (العاصمة) والأطراف (المدن خصوصا النائية) فإذا كان التاريخ الذي كان يكتب في السابق هو تاريخ المركز فاليوم بإبراز الهوامش والأطراف بتواريخها الخاصة أصبحت هذه الهوامش شريكا في إعادة كتابة هذا التاريخ.

وأشاد بالتجربة المغربية وقال إن مشروع الانصاف والمصالحة بدأ قبل أن يرى مفهوم الشرق الاوسط الموسع النور وأن تشرع الولايات المتحدة في ممارسة ضغوط من أجل القيام بإصلاحات في المنطقة العربية مؤكدا أن هذا المسلسل هو نتيجة لمجموعة من التراكمات والتطورات الداخلية ولأول يقع في المغرب تجاوب مع مشروع داخلي للصلاح بدون ضغوطات خارجية.

وأوضح من جهة أخرى أنه بعد أن فتحت الدولة ملف ماضي الانتهاكات معترفة بأخطائها يتعين أن تفتح الأحزاب السياسية وغيرها من الأطراف المجتمعية ملف هذا الماضي وتساءل أخطاءها معتبرا ان هذا الماضي الأليم يشمل هناك مسلسلا متصلا من الأسباب لا يمكن أن نرجعها بكاملها للدولة وآلتها القمعية.

وقال لقد دأبنا على محاسبة الدولة وانتقادها وقلما نسائل أخطاءنا كاحزاب ونقابات، فحينما تكون أحزابنا محكومة بثقافة السيد الذي يعلو على كل محاسبة ويمتلك الحق في أن ينتهك أجهزة الحزب، ولا تعقد الأحزاب مؤتمرات في مواعيدها حينما تستمر هذه الممارسة أعتقد أنه لن نستطيع أن نحشد الجهود المناسبة لخوض معركة الديموقراطية في المغرب.

كما دعا الى فتح حوار مجتمعي صريح وبناء بمشاركة الجميع حول هذا المسار الذي يشهده المغرب، أكثر عمقا ونضجا مما تنشره الصحف حاليا من مقالات حول جلسات الاستماع والانتقال الديموقراطي والذي يتسم في غالبه بالسطحية في التحليل والمناقرات محذرا من أن مراحل الانتقال الديمقوراطي تكون في بدايتها حرجة ويتعين التحلي بكثير من الحذر.

ومن جهته اعتبر السيد عبد الأحد السبتي أن أهمية عمل هيئة الإنصاف والمصالحة يكمن في إنتاج الأرشيف كمادة هامة بالنسبة لكتابة تاريخ المغرب وذلك بعد عقود من سيادة الذاكرة الرسمية التي تقصي الذاكرات الأخرى.

وأكد أن الرهان الأساسي هو بالنسبة للمستقبل يتمثل في كيفية انتقال الدولة من الاعتماد على مشروعية تاريخية لتكريس واقع مختلف للسياسة التي أنتجت الانتهاكات الى مشروعية مستقبلية. وأضاف أن المهم في الشهادات هو ما تتيحه مستقبليا من اقتلاع للخوف وإعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة وأيضا خلق شعور لدى المواطن بأن السياسة تحظى باهتمامه.

أما السيد نور الدين أفاية فأكد أن جلسات الاستماع العمومية حدث تاريخي حقيقي بشكل عميق لأنها جاءت نتيجة حركة سياسية انبثقت من الأحزاب والمجتمع المدني والتقت بالإرادة السياسية مبرزا أنها فرصة للحكي وتناول الكلمة للحديث عن الألم والبوح واستنكار التجاوزات وهي بالتالي تمثل لحظة فاصلة بين مرحلتين وامتحانا لتقديم فهم مناسب لما جرى وما يجري في المغرب. وأضاف أن فضيلة الاستماع مهمة لأنه من قبل لم تكن موجودة وإذا كان من مغزى لهذه الجلسات هو أن تقدر الدلالة العميقة للاستماع كعنوان لمرحلة يعبر فيها المغرب عن معاناته في وقت لم يكن فيه ذلك ممكنا.

وقال هناك صياغة هادئة تدرجية لخطاب سياسي جديد ونحن الان في حاجة لاعادة بناء ذاكرة وطنية تعددية ليست انتقائية مبنية على الاقصاء مضيفا أن ما يعيشه المغرب الآن هو دعوة للتفكير الحر النقدي لم يكن ممكنا من قبل والجميع مدعو للتفكير والنقاش حتى يحصل تفاعل مبدع ما بين السياسي والمجتمعي.

وسجل أن ما يجري حدث تاريخي بامتياز لكنه أيضا تراكم لمجموعة من العوامل والتحولات الداخلية منذ تولي جلالة الملك محمد السادس الحكم من بين مؤشراته عودة ابراهام السرفاتي ورفع الإقامة الجبرية عن الشيخ عبد السلام ياسين وإطلاق برامج للتضامن لفائدة الفقراء والمهمشين والقيام بجولات في الأقاليم النائية والقرى المعزولة وإصدار مدونة الاسرة كتعبير عن جرأة سياسية نادرة ثم إطلاق المفهوم الجديد للسلطة ثم تبني صيغة الانصاف والمصالحة.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma