Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية.. هل تعتبر فعلا أول دليل كامل علي إمكانية الإصلاح من الداخل؟!، بقلم محمد شعبان

بهي الدين حسن:التجربة المغربية أول دليل جدي علي إمكانية الإصلاح من الداخل

إدريس بنزكري:الهيئة تلقت 22 ألف طلب تعرض أصحابه لانتهاكات سابقة

عبدالرحيم العمداني:إنشاء الهيئة نتيجة لتوافق قوي المعارضة علي ضرورة الإصلاح

أحمد شوقي بنيوب:إيجابيات تؤكد أن التجربة تسير في الطريق الصحيح

في ظل الجدل الراهن والمسيطر علي الأوساط السياسية في العالم العربي حول »الإصلاح« ومصدره إن كان داخليا أو خارجيا.. تأتي التجربة المغربية في العدالة الانتقالية وفتح ملفات حقوق الإنسان في الماضي والتي تبلورت في إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة لتشكل نقلة نوعية في مجال حقوق الإنسان جعل الكثيرين ينظرون إليها علي أنها تجربة غير مسبوقة في العالم العربي بل واعتبروها أول دليل علي إمكانية الإصلاح العربي من الداخل.. وقد قام مركز القاهرة لحقوق الإنسان بدراسة هذه التجربة وتحليلها من خلال المائدة المستديرة التي عقدها مؤخرا بعنوان: »هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب.. أول دليل علي إمكانية الإصلاح من الداخل«، التي استضاف فيها إدريس بن ذكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة والنائب الأسبق لرئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وأحمد شوقي بنيوب عضو الهيئة وعبدالرحيم العمداني عضو المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية أنشئت في بداية عام 2004 بمرسوم ملكي وبناء علي توصية من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان كهيئة غير قضائية لا تثير المسئولية الفردية عن الانتهاكات ولكن تجري تقييما شاملا لتسوية ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حددها النظام الأساسي للهيئة في جرائم التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإعدام خارج نطاق القانون، وذلك في الفترة الممتدة بين عام 1956 وحتي 1999، وتختص الهيئة ببحث تقديم التعويضات اللازمة لضحايا الانتهاكات، وكذلك إعادة تأهيلهم ورد اعتبارهم.

دليل جدي

وقد أشار بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان إلي أن التجربة المغربية تعتبر في حد ذاتها دليلا جديا علي إمكانية الإصلاح من الداخل خاصة في ظل الجدل الواسع النطاق الذي يدور هذه الأيام حول مبادرات الإصلاح الخارجية وما إذا كان الإصلاح سيأتي من الداخل أو الخارج؟

وأكد بهي الدين أنه بالرغم من الملاحظات العديدة والانتقادات التي وجهتها المنظمات الدولية لهيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب. إلا أن إنشاء هذه الهيئة والطريقة العلمية التي تدار بها أعطي أملا كبيرا ليس فقط للمغرب، وإنما للشعوب العربية ككل في إمكانية وجود بيئة تحترم حقوق الإنسان وهي تجربة يجب أن نلتفت إليها ونستفيد منها. وأوضح مدير مركز القاهرة أنه لو أسندت هذه الهيئة لبعض الوزراء السابقين لما كانت حققت هذه النجاحات، وإنما تم إسنادها لأشخاص لهم خبرة في مجال حقوق الإنسان وآخرين أعضاء في منظمات غير حكومية وآخرين كانوا ضحايا لانتهاكات سابقة بل إن أعدادا منهم كانوا منفيين خارج المغرب، وبالتالي فإن إسناد الهيئة إلي هؤلاء الأشخاص يعتبر مؤشرا جيدا ودليلا علي مصداقية التوجه وأحد أهم الضمانات لعدم تكرار هذه الانتهاكات مرة أخري.

أربع مهمات

من جانبه أشار إدريس بنزكري ـ رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة ـ إلي أن هيئة الإنصاف والمصالحة أنشئت في يناير 2004، وأوكل لها تنفيذ أربع مهمات رئيسية: الأولي إثبات حقيقة الانتهاكات التي حدثت خلال أكثر من 40 عاما وبحث ودراسة الانتهاكات والاعتقالات التعسفية التي تعرض لها المواطنون وبيان أسبابها والعوامل الحقيقية وراء لجوء السلطات إليها في فترة ما بعد الاستقلال وحتي نهاية التسعينيات.. والمهمة الثانية تتركز في تقديم توصيات وإجراءات لرفع الضرر عن الذين تعرضوا للانتهاكات الجسيمة سواء كانوا أفراداً أو جماعات، وذلك من خلال عدة أشكال لا تقتصر فقط علي التعويضات المالية، وإنما أيضا إعادة التأهيل وإعادة الاعتبار، وكذلك اعتراف الدولة بمسئوليتها تجاه ما حدث سواء بتقديم الاعتذار أو اتخاذ الإجراءات الرمزية لمحو آثار هذه الانتهاكات.

وتتمثل المهمة الثالثة ـ كما يضيف بنزكري ـ في إعداد تقرير شامل يقوم بوصف وتحليل الانتهاكات السابقة مع تقديم اقتراحات لأساليب بما يضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات مرة أخري وهذه الإصلاحات قد تكون دستورية أو تشريعية.. أما المهمة الرابعة فتتركز في فكرة المصالحة وهي مهمة ليست سهلة ولاسيما إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية، وكذلك إرث آثار الانتهاكات السابقة في المغرب.

سياسة ممنهجة

ويضيف رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة: في إطار تنفيذ هذه المهام بدأنا في إدراج مقترحات حول المؤسسات والدستور والقيام بأعمال استشارية وتنظيم ندوات لباحثين متخصصين بالجامعات وطرح إشكاليات حول الدراسات القانونية، هذا بالإضافة إلي تلقي طلبات التحقيق في الانتهاكات السابقة التي وصلت إلي نحو 22 ألف طلب.. وقد قمنا بالفعل بإجراء التحقيقات مع الضحايا وذويهم وكل من لديه معلومات حول هذه الانتهاكات، ونحن الآن في مرحلة التجميع والتحضير لمجموعة مقترحات ستأتي في سياق التقرير الختامي.

ويمكن القول ـ والكلام لإدريس ـ إن 70% من الانتهاكات التي حدثت في الفترة التي أعقبت الاستقلال حتي نهاية التسعينيات من القرن الماضي كانت قائمة علي أساس شرعي مستندا إلي قوانين ورقية إلا أنها كانت تستعمل بشكل غير شرعي لحض المعارضة السياسية والتضييق علي نخب سياسية لديها مشروعات سياسية مخالفة للسلطة.

وحول ما إذا كانت هذه الانتهاكات السابقة قد انتهت أم لا اكد »ذكري« أن الانتهاكات التي كانت تتم وفق سياسة ممنهجة، التي كان يقوم بها النظام السياسي بغرض تقليص أظافر النخبة السياسية سواء باستعمال القانون أو الإكراه قد انتهت منذ الثمانينيات، وذلك بخلاف ما تدعيه بعض الصحف الناشئة في المغرب، التي تبالغ في هذا الشأن وإظهار بعض التجاوزات والانتهاكات أكثر مما تستحق .

اتفاق المعارضة

وأوضح »عبدالرحيم العمداني« عضو المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أنه لكي يتم فهم ما يحدث في المغرب الآن، فإن علينا الرجوع تاريخيا إلي عام 1990، حيث كان هناك اتفاق بين المعارضة علي ضرورة وجود إصلاحات للأوضاع القائمة، وقد ساهمت منظمات المجتمع المدني المغربي في هذا التقارب بين قوي المعارضة التي طالبت بضرورة إطلاق الحريات السياسية والإصلاح الدستوري والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان.. وبالفعل حدث تطور كبير في هذا المجال، حيث أنشيء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ثم أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة التي تم تعديلها بصيغة جديدة فيما بعد.

تجريم التعذيب

وأشار »أحمد شوقي بنيوب« عضو هيئة الإنصاف والمصالحة إلي أنه بالرغم من التناقضات التي حملتها التجربة المغربية في مجال حقوق الإنسان. إلا أن النتائج الإيجابية تعتبر فيه دليلاً علي أنها تسير في الطريق الصحيح حتي الآن.. ويكفي أن الحكومة المغربية أقدمت لأول مرة علي إقرار قانون يجرم التعذيب، وكذلك تقدمها بمذكرة إلي الملك تتعلق بأداء الأجهزة الأمنية هذا فضلا عن وضع آلية للحوار بين وزارتي الداخلية والعدل من ناحية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من ناحية أخري.

وأشار شوقي إلي أنه منذ تعرض أحد المعتقلين الذين ينتمون للتيار الإسلامي للتعذيب أعلن وزير العدل بناء علي ذلك فتح تحقيق جنائي في هذه القضية وإحالة المختص إلي المحاكمة.. وهذا أمر يحدث لأول مرة في المغرب.. أيضا لأول مرة يذاع برنامج تليفزيوني خاص بضحايا الانتهاكات السابقة، حيث يقوم كل ضحية بسرد قصته.. هذا فضلا عن وجود نقاش سياسي واسع النطاق حول إشكاليات الدولة الديمقراطية وأسباب الانتهاكات السابقة والعوامل التي أدت إليها وهي كلها نتائج إيجابية تحسب للتجربة المغربية في مجال حقوق الإنسان.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma