Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

مكمن العدل وسر المصالحة ...، بقلم عبد الله قانية

تتبع الرأي العام المغربي باهتمام خلال الأشهر الماضية ندوات هيأة الإنصاف والمصالحة، وراقته المبادرة الطبية بما حملته من إيجابية في إعادة الاعتبار لفئة من المجتمع نزل عليها الدهر بكلكله أيام الأمن غائبا عن البلاد وعاثت فيها شرذمة من الجلادين فسادا وتنكيلا.

إنها نقطة ضوء تلألأت في سماء المظلومين وأنعشت ظمأهم الملهوف للعدالة. لقد كان يعتمل في نفوس المشاهدين للحلقات السابقة صراع خفي بين الفرح والحزن، فمن جهة، الرضى بما حدث من انفراج، فمن جهة ثانية حسرة الغالبية من المجتمع المغربي التي أصابها الحيف في حياتها وكانت هي الضحية في كل الأوقات، وتألمها هذا هو الذي يجعلها غير مطمئنة على حياتها، وبالتالي من العسير معالجة مشاكلها ورفع الظلم عن كاهلها.

لقد تعرض المجتمع المغربي منذ السبعينات إلى حرب ضروس ضد قدرته الشرائية، فتحطمت خلال فترات متوالية وأصبحت غير قادرة على مواجهة الحياة المشتعلة. فالإنسان المغربي الذي كان في الستينات يعيش بدخله الشهري في سعة، أصبح الآن يعيش على الفتات ولا يلبي دخله الشهري إلا خمس احتياجته.

أليس هذا تنكيل بأغلبية مجتمعيه، اختلست قدرتها الشرائية رغم ما قدمت من تضحيات في سبيل الحصول على الاستقلال، وكانت هي القاعدة المتينة لكل المشاريع المنجزة في البلاد؟ لقد كان التبرير في السابق لرفع الأسعار إلى قمتها الأسباب الثلاثية المشهورة " الجفاف،ارتفاع سعر الدولار، ارتفاع سعر البترول" ومن كثرة ترديد هذا الشعار أصبح المواطنون عند تقديم وزير المالية للميزانية يسبقونه إلى هذا الشعار ولسان حالهم يقول: "قديمة".

ولقد تظافرت عدة عوامل ، وعلى رأسها غياب الديموقراطية، إلى جعل المجتمع في معركة شرسة يسودها قانون الغاب يأكل فيها القوي الضعيف، انفرطت فيها علاقات المواطنة،فباتت فيها الحقوق مهضومة من جزاء الزبونية وحظوة القرابة إلى ذوي الجاه والسلطة، فكم من أنات انبعثت من هذا المظلوم أو ذاك من أثر الأقدام التي نزلت عليه ولا سبيل إلى رفعها، فيكتم ضيمه ويبيت لياليه شاكيا الدهر ولا يسمع شكواه.

تلك أيام مضت تكسرت فيها الآمال ويئس المنهكون والمتعبون من كل انفراج يعيد إليهم ما سلب من حياتهم استغل فيها تجار الحروب غياب الرقيب فكدسوا ثرواتهم على حساب عرق الكادحين. لكن أليس لهذا الليل البهيم أن ينقشع عن صبح جميل تشرق فيه شمس الوفاء لهذا المجتمع المنهك وتعيد إليه إنسانيته المفقودة؟ وذلك هو لب المصالحة مع المجتمع ككل.

لقد أنصف جزء من المجتمع، وهي نقطة في البحر متلاطم الأمواج، وهي البداية فقط، وعليها أن تشق الطريق حتى ينتشر ضياؤها وتشعر قافلة المجتمع المنهكة بأنها محط اهتمام، وليس ذلك بعزيز المنال، إذا توفرت العزيمة لدى أولي الأمر، وبعثوا في هذا الشعب روح التضامن كما انبعث في بداية الاستقلال. وهي مهمة تقتضي أن يتقاسم فيها أفراد المجتمع، بجميع فصائله السراء والضراء، وفي ذلك مكمن العدل وسر المصالحة.

مقال نشر بجريدة الإتحاد الإشتراكي بتاريخ 24 مارس 2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma