Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الإتحاد الإشتراكي: مراكش: هيأة الإنصاف والمصالحة تعقد جلسة استماع عمومية جديدة: شهادات ترسم عنف المرحلة، وقساوة الظلم وصمود الأمل

كانت مدينة مراكش مساء اول أمس الاربعاء على موعد مع التاريخ، تاريخ موشوم بسواد عهد العصا الغليظة المسلطة على شرفاء هذا الوطن، ممن قدموا حياتهم وحريتهم فداء للحرية والانعتاق ورسم المبادئ الاساسية لدولة الحق والقانونˇ

كانت القاعة المخصصة لشهادات الاستماع بغرفة التجارة والصناعة غاصة عن آخرهاˇˇ اجساد موشومة ببصمات التعذيب وجيل جديد يهمه ان يعرف الحقيقة كل الحقيقةˇ ورغم ان شهادات الاستماع انطلقت متأخرة عن موعدها بساعة ونصف ورغم الحرارة المفرطة للقاعة، فقد كان الحاضرون متشوقين لمعرفة هذه الحقيقة فكان التلاقي بين أجيالˇˇ اجيال ناضلت من أجل الحرية وأخرى وجدت نفسها أمام صفحات تاريخ مليء بالاحزانˇ جاؤوا لينصتوا الى مناضلينˇˇ عبد الرحمان شوجار الذي اضطر الى مغادرة المغرب يوم فاتح يناير 1966 خوفا من الاعتقال بسبب نشاطه السياسي في حزب القوات الشعبية ليعيش في الجزائر ثم سوريا قبل ان يعود الى المغرب سنة 1969 ، حيث ألقي عليه القبض بأمزميز ليعيش حالات التعذيب النفسي والجسدي بالمعتقل السري دار المقري والسجن العسكري بالقنيطرة ثم السجن المدني بمراكش، ليقدم في ما سمي بالمحاكمة الكبرى بمراكش سنة 1971 ويصدر في حقه حكم بالسجن لمدة عشرين سنةˇ

والسيدة وداد البواب التي اعتقلت يوم 8 يونيه 1977 بمراكش لتوضع بالمعتقل السري درب مولاي الشريف، حيث قضت ستة أشهر بعدها، تم نقلها الى سجن غبيلة بالبيضاء ثم السجن المدني سيدي سعيد بمكناس، وبعد ثلاث سنوات من الاعتقال افرج عنها ضمن المجموعة إثر اضراب عن الطعامˇ

والسيد حاميد زريكمˇˇ الذي تعرض للاعتقال ثلاث مرات اثناء الاستعمارˇ ثم اعتقل سنة 67 بمراكش بعدما قضت المحكمة الابتدائية بنفس المدينة بعدم الاختصاص وتم نقله الى الرباط حيث استقبل من طرف وزير الدفاع وقدم الى المحكمة العسكرية بسبب حيازته لسلاح احتفظ به منذ مرحلة المقاومة واتهامه بالارتباط بمجموعة مولاي الشافعيˇ

والسيدة زهرة الخضر والدة الشهيد محمد اكرينة التي تعرضت للاستفزاز والترهيب اثناء البحث عن ابنهاˇ كما تعرض افراد عائلتها للاحتجاز عدة مرات لانتزاع عنوان المبحوث عنه محمد كرينة الذي اعتقل بتاريخ 17 ابريل 1979 من داخل الثانوية، اقتيد الى مخفر الشرطة بالدار البيضاء، ثم نقل الى مخفر الشرطة باكادير حيث تعرض للتعذيبˇ

احيل على المحكمة في حالة صحية متدهورة يوم 23 ابريل 79 ورغم ذلك رفضت المحكمة عرضه على الطبيب، نقل الى المستشفى من السجن يوم 24 ابريل 79 بعد ان استفحلت صحته ليلفظ انفاسه الاخيرةˇ

ومحمد مهري الذي اعتقل يوم 25 يونيه 64 حوالي منتصف الليل من منزله بالدار البيضاءˇ حيث اقتيد الى معتقل درب مولاي الشريف الذي قضى به حوالي 4 اشهر، حيث تعرض لتعذيب شديد ثم أودع بالسجن المدني بالدار البيضاء، وذلك يوم 10 أكتوبر 67 قدم للمحاكمة نهاية شهر يناير ضمن المجموعة المدعوة ب "ابراهيم الحلوي ومن معه< وقد صدر في حقه حكم قضائيˇ يقضي ب 3 سنوات سجناˇ

أما محمد أطلس بن الحاج فقد اعتقل يوم 25 اكتوبر 1963 من الشارع بمراكشˇ تعرض لتعذيب شديد اثناء التحقيق بمراكش، ثم نقل الى دار المقري بالرباط، ليتعرض من جديد للتعذيب حيث دخل في غيبوبة دامت 13 يوما اودع بالسجن المركزي بالقنيطرة وظل قاضي التحقيق يؤجل استئناف التحقيق حتى سنة 1967 وفي شهر نونبر 68 اصدرت المحكمة في حقه حكما بالاعدامˇ

في سنة 1977 خفض حكم الاعدام الى 20 سنة ثم اطلق سراحه يوم 25 أكتوبر 1983 بعد ان قضى 20 سنة من السجن، 9 سنوات منها بحي الاعدامˇ

عبد الجليل طليمات اعتقل يوم فاتح يوليوز 1977 وهو طالب بالسنة الثانية شعبة الفلسفة كلية الاداب والعلوم الانسانية بالرباط، نقل مباشرة الى معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء وظل محتجزا به حوالي 5 اشهرˇ احيل بعد ذلك على السجن المدني بمكناس الى غاية 8 مارس 1980 حيث افرج عنه بالسراح المؤقتˇ وحكم بعد ذلك بالبراءة، ليعاد اعتقاله يوم 25 يناير 1984 بمدينة ابي الجعد، حيث كان استاذا بها ونقل الى مركز الدرك بواد زم يوم 7 فبراير 84 واحيل على المحكمة الابتدائية بوادي زم يوم 17 فبراير 87 التي اصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة سنة نافذةˇ

السيدة طروات البتول ام المرحوم مصطفى بلهواري تعرضت لاستفزازات ومضايقات منذ سنة 1981 حيث بدأت مطاردة ابنها بلهواري مصطفىˇ في يناير 84 وصلت المضايقات حد اعتقال احد اخوانه كما اعتقلت هي وزوجها لمدة يوم للضغط على ابنها كي يسلم نفسهˇ سلم مصطفى نفسه ونقل الى درب مولاي الشريف وقضى به شهرا ليحال على محكمة الاستئاف بمراكش التي ادانته ب 10 سنوات سجناˇ

حرمت من زيارته منذ دخوله في الاضراب عن الطعام ولم تتمكن من رؤيته الا ثلاثة أيام قبل وفاته يوم 28 غشت 1984 السيد امحمد المرابطين اعتقل مرة ثالثة في مارس 1973 حيث مكث بمركز الشرطة بآسفي مدة 17 يوما ونقل بعد ذلك الى الكوربيس حيث مكث به 11شهرا، احيل على السجن المدني بآسفي يوم 19 مارس 74، افرج عنه يوم 12 اكتوبر 74 بالسراح المؤقت وبرأته محكمة الاستئناف بمراكش في يونيه 76 واعتقل مرة أخرى سنة 79 بمقر الكنفدرالية الديمقراطية للشغل بآسفي اثر الاضراب العام القطاعي للصحة والتعليم، قضى بمركز الشرطة حوالي اسبوع وافرج عنه دون محاكمةˇ العتيق بن صالح ابن الغالي اختطف من منزله بايت اورير سنة 1956 واحتجز بضيعة اسكجور التي كانت في ملكية قبطان فرنسي، وتقع قرب مطار المحاميد بمراكشˇ كان مع مجموعة من 17 فردا من منزله الهلال الاسود، منهم من تمت تصفيته بالضيعة المذكورة، ونقل مع الباقين على قيد الحياة الى مفوضية الشرطة بجامع الفناء حيث قضوا ثلاثة اشهرˇ

احيلوا بعد ذلك على السجن المدني بمراكش حيث قضوا ستة اشهر وتم ترحيلهم الى السجن المركزي بالقنيطرة الذي قضى به 6 اشهر اخرى قبل الافراج عنهم نقلوا الى سجن لعلو بالرباط مدة اربعة اشهر ثم وضعوا بسجن اغبيلة لمدة شهرين واعيدوا الى سجن مراكش لبضعة اشهرˇ وبعد سنتين من الاعتقال صدر في حقه حكم بالبراءةˇ

شهادة السيدة زهراء لخضر والدة الشهيد محمد كرينة

كان ابني محمد من الشباب الصالح ويتمتع بأخلاق حميدة وفي سنة 1979 وبمناسبة يوم الارض جاء من البيضاء ليشارك في تظاهرة سلمية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عندها كان عضوا نشيطا في الشبيبة الاتحادية شبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةˇ جاء إلى البيت مع مجموعة من رفاقهˇ في الصباح استيقظت ابنتي فاطمة لإحضار الفطورˇ فلاحظت أن رجال الشرطة يقومون بتصوير كتابات على الجدران اخبرت اخاها محمد فقال لها: ـ "ترى من سيكون كبش الفداء؟!< في نفس اليوم اخذت الشرطة تعتقل بعشوائية عددا من الاساتذة والمعلمينˇ كانت الاعتقالات حقا همجية وبعد ذلك جأني القائد يدق الباب بقوة لقد أراد ابنتي فاطمةˇˇ المهم أنني لم اسلمها لهˇˇ ثم ذهبت بها إلى الثانوية ورجعت في الساعة الثالثة بعد الزوال جاؤوا يدقون الباب بقوة كادوا يكسرونهˇ في الليل عادت الشرطة إلى البيت فوجدت والد الشهيد اكرينة وطلبت منه أن يمدها بالحالة المدنية، أخبرني بذلك فقلت له لاتسلمها لهمˇˇ اعتذر لهم وقل بأنها في مقر العمل لأنهم سيعتقلون ابنكˇ كنت خائفة مذعورة اغشى على ابني من الاعتقال وبعد ثلاثة أيام جاؤوا واعتقلوا زوجي من الثامنة صباحا إلى الواحدة والنصفˇˇ في اليوم الموالي جاؤوا في الساعة الثامنة صباحا يسألون عن ابنتي فاطمة، قلت لهم إنها في الثانويةˇ

لقد اعتقلوا فاطمة من الثانوية ثم جاؤوا إلى البيت وهجموا عليَّ وشتتوا الامتعة ومزقوها وبعثروا كل شيء بوحشية أشبه بما يفعله الصهاينة بأبناء فلسطينˇ وجدوا رسالةˇˇ ثم أخذ الضابطان مصطفى الجديدي والحسين بن رحال يقولانˇˇ تخافين على ابنك؟! ابنك يقرأ جيدا؟ سترين ماذا سنفعل به؟ الواقع أنني كن محتارة وأفكر في الطريقة التي يمكن بواسطتها ان أهرب ابنيˇˇ

وفي الساعة الرابعة جاءني احد المناضلين يطلب مني الالتحاق بمقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وهناك قالو لي: "السي محمد راه شدوه راه في انزكان< قلت لهم: انه انتقام وليس اعتقالا في الساعة السابعة صباحا كنت في المحكمة كان ابني في حالة صحية متدهورة من شدة التعذيب، هيأة المحامين تطالب بمعالجة كرينة، قال لهم القاضي لا: في السجن هناك طبيبˇ

فتحت الجلسةˇ نادوا على ابني محمد كرينةˇ لكنه لايستطيع الحراكˇ كان المشهد فظيعاˇˇ ثم قال القاضي بأن الجلسة ستكون مغلقة صرخت بأعلى صوتي: لاˇ لا يجب ان تكون علانية ليعرف العالم ماجرى وتتضح وحشية الجلادين سقطت أرضا وإذا برجال الامن والشرطة يوجهون لي ضربات بأقدامهمˇ الرفس الركل إلى أن فقدت وعيي وعندما فتحت عينيˇ في الساعة الواحدة زوالا وجدت نفسي في المستشفى الذي سأستطيع الهرب منه تم ذهبت إلى المحكمة لأجدها مغلقة، فعدت إلى البيتˇ وفي اليوم الموالي ذهبت اسأل عن ابني في السجن قال لي احدهم: "إن ابنك نقل إلى مستشفى الحسن الثاني بلوك2< دخلت المستشفى وكان ابني تحت حراسة شرطيين لايحرك سوى رأسه يمنة ويسرة وحينما رآني حاول النطق بقوة ـ كان الموت بتربص بصدره ـ قبلت جبهته وبين حاجبيه، قال لي بصعوبة بالغة: "امي ياك ما تقلقتي؟ أنا في ساحة الرجال الشرفاء؟ هل ستبلغين رسالتي إلى رفاقي؟ وهل ستسيرين على نفس خطي؟ قلت له: سأسير على نفس خطك لكن اختك فاطمة مازالت صغيرة ولا اضمنها لك قال: "الله على راحة اعرف من عذبوني< ثم نام بعدما طلب مني أن آتيه بمشروب، ولكن الحمد لله أنني لم اتيه بهذا المشروب وإلا قالوا بأنه قتل بهˇ

كان محصورا من البول، رجلاه انتفختا وبهما ازرراق شديد من هول التعذيب قلت له من عذبك؟ قال لي: "اعتقلوني من ثانوية الخوارزمي بالبيضاء وذهبوا بي إلى المعاريف ثم جاؤوا بي إلى اكادير وهناك سلموني إلى القائد بآنزاˇ لقد عذبوني بالعصا والكهرباء وكانوا يضعون "الشفون< المليء بالقاذورات كنت اتحمل العصاˇˇ لكنني لم اتحمل الشيفونˇˇ< ذهبت إلى البيت بعدما لاحظت أن ابني قد استرخى للنومˇ

عدت في المساء إلى المستشفى حيث وجدته مطوقا بالقوات الامنية بمختلف انواعها وألوانهاˇˇ ومنع الناس من زيارة مرضاهمˇˇ وهناك انتظرت إلى حدود الساعة التاسعة ليلاˇˇ في الخامسة صباحا اليوم الموالي ذهبت إلى المستشفى وتسللت إلى المكان الذي يوجد فيه سرير ابني فوجدت السرير ولم أجد ابنيˇˇ سألت أحدهم قال لي بأن ابنك مات البارحة في التاسعة ليلاˇ

ذهبت إلى مقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خرج إلي أحد الشبان واراد أن يطمئنني أو يزيل الحزن عني فقال: محمد لابأس عليهˇ قلت له: ماشفتوه محمد مات البارحة في التاسعة وعشرة دقائق تصل أحد المسؤولين في الكتابة الاقليمية بالقيادة الحزبية وبعد يومين جاءني العامل وشخصيات أخرى وقال لي: "غناك الله سنعطيك فيلا و ˇˇو ˇˇ<

ولم يضع بعد قدمه على عتبة البيت حتى صرخت في وجهه: إذهب واتركني إلى ان ادفن ابني وعندها إذا أردت احراقي فلتأتِˇˇ وإذا كنت ترغب في شراء البقر والبهائم اما نحن فبشر بكرامة ولن ابيع دم ابني رخيصاˇ

جاء عبد الرحيم بوعبيد يوم الجنازة التي افتخر بها لأنها كانت نهرا ضخما من المواطنين الشرفاء الذين جاؤوا من مختلف انحاد المغرب ومن فلسطين والسودان وساهم المرحوم عبد الرحيم بوعبيد في تهدئة الجماهيرˇ والواقع انني اعتز بابني حيا وبابني شهيدا ليكون واحدا من أنبل شرفاء هذا الوطن ˇ

عبد الرحمان شوجار:

في مظاهرات 20 غشت 1953 و 1955 خرج الشعب المغربي برمته تحت الراية المغربية وصورة محمد الخامسˇ وكان ذلك رسالة موجهة الى المستعمر الفرنسي بأن المغاربة كلهم مع تحرر بلادهم وعودة ملكهمˇ عندما تحررت البلاد بفضل تضحيات المقاومين وأعضاء جيش التحرير كان لكل هؤلاء حلم بأن ينعم وطنهم بخيراته وأن يتمتع جميع أبنائه على قدر المساواة بالديمقراطية وحرية التعبير وأن يتم الجلاء التام للقوات الاستعمارية وأن توزع الثروة بعدل وإنصاف وتسترجع أراضي المعمرين وتقام القرى النموذجية للفلاحينˇˇˇ لكن آمالهم خابت ووجدوا أنفسهم بعيدين عن ممارسة حقوقهم وعن استغلال خيرات بلدهم وممارسة حريتهم في التعبير وحقهم الثابت في التعليم والصحة والمشاركة في بناء مغرب مستقل وديمقراطي يستفيد من كل طاقاته وكفاءاته وبعيد عن الانزلاق نحو التبعية للقوى الاستعمارية، وهذه الأحلام هي التي كانت محركة لكل الضحاياˇ

تعرضت لأول مرة للاعتقال في سنة 1963 أثناء الحملة الانتخابية للمرحوم الوديع الآسفيˇ أدخلت السجن بعد التعذيب بمخفر الشرطة بآسفي لا لشيء إلا لأنني خرجت للتعبير عن مشاعر الحماس تجاه مرحلة جديدة كنا نعتقد أنها ستكون مرحلة دستوريةˇ ولم أقدم للمحاكمة إلا بعد انتهاء الانتخاباتˇ فقضت المحكمة في حقي بشهر واحد موقوف التنفيذˇ

عندما غادرت السجن، كنت مستهدفا بملاحقات المخابرات، لأنني كنت من النشيطين في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولأنني كنت مؤمنا بضرورة المساهمة في بناء وطنيˇ لكن المخابرات قررت أن هذا النوع من الناس (المناضلين) يجب أن يكون ملاحقا ومضطهدا، بل إن هذا الحقد الذي سلط عليّ بكل هذا البطش والجبروت كان بسبب رفضي للالتحاق بصف الانتهازيينˇ

كنت أعمل حينها كحارس بمدرسة المعلمين بآسفيˇ وكنت مراقبا من قبل المخابرات ليل نهار إلى غاية 1964، فقررت مغادرة المدينة في اتجاه الدار البيضاء مخافة المصير المجهولˇ وقعت أحداث شيخ العرب، فكانت المحنة أكبر ثم أحداث 1965، فاستفحلت المعاناةˇ وحينها كان الجو السياسي بالمغرب متوترا بمسحة جهنمية فاقدة للأوكسجين، حتى أنني كنت أبيت في الخلاء والحدائق وأغير مكاني باستمرارˇ وأذكر رجالا وقفوا معي بصمود واستماتة، وفي مقدمتهم أخونا المرحوم الوديع الآسفي وزوجته ثريا السقاط اللذين كانا نموذجا للعائلة الوطنيةˇ

كبرت محنتي، عندما سقط شيخ العرب بحي سيدي عثمان يوم 1964/8/7، فقررت أن أغادر الدار البيضاء في اتجاه إقليم أزيلالˇ فتعرض كل أفراد عائتي للتهديد والاستفزاز والتنكيل من قبل الأجهزة السرية إلى درجة أن فرقة من درب مولاي الشريف انتقلت الى تنانت وتحديدا بالدوار والذي كان يقيم به، والدي كان آنذاك في السبعين من عمره، فهاجموا بيتهˇ كان ممددا على فراشه بسبب المرض فأخذ أحدهم يركله بقساوة كما لو كان يركل شيئا لا إنسانا مهددا إياه بأنه سيعتقله إذا لم يخبره بمكانيˇ

التحقت بعد ذلك باللاجئين بالجزائر فخرجت من عالم للمعاناة ودخلت آخرˇ ومن هناك التحقت بصفوف الفدائيين بسوريا وبعدها عدت إلى بلادي ليلقى علي القبض يوم 12 دجنبر 1969 بامزميزˇ اقتادوني أولا إلى مكان سري بمراكش يوجد قرب مقر القيادة الجهوية للدرك الملكيˇ وبعدها أحضروا لحبيب الفرقاني وتركونا هناك مقيدين معصوبي العينين لمدة لينقلونا بعدها إلى المكان السيء الذكر "دار المقري< حيث بقينا هناك سبعة أشهر ذقنا خلالها كل أصناف التعذيب التي وصفناها من قبل ووصفها كل الضحايا الذين تحدثوا في الجلسات السابقةˇ بعدها حرروا المحاضر ونقلونا الى السجن العسكري بالقنيطرة حيث كنا نعيش في المراحيض مطوقين بكل أنواع القوات والحرسˇ

بعد قضاء ستة أشهر بالسجن العسكري قرر قاضي التحقيق العسكري عدم الاختصاصˇ وطيلة مدة الاعتقال لم تنزع العصابة عن عيني والقيود من يديˇ ولم أتمكن من رؤية الشمس إلا بعد نقلي الى سجن "بولمهارز< بمراكشˇˇ أما أنواع التعذيب التي ذقتها فهي متنوعة من "الشيفون< المبلل بكل أنواع القاذورات من البول حتى "الكريزين وجافيل< و"التعلاق< و"الطيارة< والكي بواسطة المصابيح والصعقات الكهربائية والضرب بكل أصنافهˇ وكان الجلادون يرددون "مت فنحن لا نرغب في أن تبقى حياˇˇˇ< أتساءل أين كانت الدولة التي من المفروض أن تحمي المواطنين؟ أين هي النيابة العامة والقضاء؟ ما كان يهدف إليه الجلادون ورؤساؤهم هو تصفية الروح الوطنيةˇ وذنب الضحايا الوحيد هو أنهم أرادوا خدمة بلادهم وبناء مستقبلها علي أساس سليم لكنهم أرغموا على المواجهةˇˇˇ فقد كان المغرب آنذاك خاضعا لخطة دقيقة لتدمير المجتمع على جميع مستوياتهˇ لذلك فما حدث لم يكن مجرد تجاوزات أو هفوات عابرة وإنما كان قمعا ممنهجا بتكتيك دقيقˇˇ فمشكلة المغرب الأساسية التي ضحينا في سبيل حلها هي مشكلة توزيع الثروة المغربية على كل المغاربةˇ فلا يمكن أن يبقى بلادنا مسيطر عليها بافتعال أزمات على حساب كرامة المغاربة وحقهم في العيش الكريمˇ في الماضي الأسود كانت هناك عصابات تتحكم في المغرب وتعمل على تدمير المغاربةˇˇ ومن أجل مقاومة كل ذلك اختطفنا وعذبنا وحوكمنا محاكمات صوريةˇˇ

وداد البواب

جئت لتقديم شهادتي اليوم وأنا مترددة إن كان علي أن أقوم بذلك أولا، وهذا بسبب النقاش الدائر حول هذه الجلسات وجدواهاˇ وأعتبر أن فعالية كل ما يتم اليوم لن تتأتى ما لم تقرر الدولة إبعاد كل المسؤولين عن هذه الانتهاكات من جميع المناصب ومواقع القرار والمسؤولياتˇ كما يجب على الدولة أن تتقدم باعتذار عليهاˇ اعتقلت يوم 8 يونيو 1977 كنت حينها مع خطيبي آنذاك وزوجي اليوم عبد الحق عندليب وصديقنا عبد الحق بنيس بنواحي مراكشˇ وجاء هذا الاعتقال في اطار حملة القمع المسلطة على الحركة الطلابية في سنوات السبعيناتˇ وكانت مطالبنا انذاك ترتكز في رفع الحظر عن الاتحاد الوطني لطلبة المغربˇ والجواب كان دائما هو تدخل البوليس والاعتقالاتˇ بالجملة في صفوف الطلبةˇ

اذكر خصوصية اعتقالي كامرأة مناضلة، فمدينة مراكش حافلة بأسماء مناضلات قدمن حياتهن وحريتهن من أجل التحرر وفي مقدمتهن فاطمة الزهراءˇˇ فبخصوص ظروف الاعتقال اقتادونا اولا الى جامع الفنا حيث احتجزنا تحت الارضˇ وشتان ما يقع في سطح هذه الساحة وما يحدث تحت ارضهاˇ فقد كانت الزنزانة بلا فراش وفي النتانة والعفونةˇ بعد ذلك تم اقتيادنا الى درب مولاي الشريف، بالبيضاءˇ وعند مدخل المدينة وضعوا العصابة على أعينناˇ حتى لانتعرف على المكان، بقينا هناك زهاء ستة أشهر ذقنا خلالها كل ضروب التعذيب النفسي والجسديˇ أذكر جيدا التعذيب الذي تعرضت له لطيفة الجبايدي وخديجة البخاري وبالنسبة لي فالتعذيب النفسي كان أقوى بكثيرˇˇ تصوروا أن العصابة بقيت على عيني طيلة هذه المدةˇ ولم يكن لنا الحق في النهوض من مكاننا سوى في حالتين الأولى في حالة التحقيق ووجبات التعذيب، التي ترافقه والحالة الثانية هي الذهاب الى المرحاض، حيث يجب أن نطلب الإذن من الحارس الذي يمكن أن يقبل الطلب أو يرفضه حسب مزاجهˇ

تصوروا أننا كنا كفتيات معتقلات موضوعات في الكولوار الذي يمر منه الحراس والمعتقلون المقتادون الى دهاليز التعذيب أو العائدون منه بأنينهم ودمائهمˇ ونحن هناك محرومات من الرؤية والكلام وموضوعات تحت انظار الحراسˇ

التعذيب النفسي الذي قاسيناه كنساء يتمثل كذلك في التهديد الدائم بالاغتصابˇ واعتقالنا لمدة طويلة دون توفير الشروط اللازمة لنا كنساءˇ واخص بالذكر ما يتعلق بخصوصياتنا (العادة الشهرية) ولم يكن هناك شرطيات او حارسات يمكن أن تحدثهن عن اشياء تخصنا ولا يمكن قولها للرجالˇ كنا ننام امام حراس ذكور وهذا ضرب لكل القيم الدينية والاخلاقية والانسانيةˇ

بعد ستة اشهر جاءنا خبر نقلنا الى السجن فكانت فرحتنا كبيرةˇ سنذهب الى السجن ومع ذلك كنا سعداء لأننا سنغادر الجحيمˇ تلا علينا قاضي التحقيق التهم الموجهة اليناˇ بالنسبة لي كان الامر مفاجأة كبرى فقد وجدت نفسي أمام تهمة كبيرة لم اتخيل يوما ان توجه لي وهي محاولة إسقاط النظامˇ

نقلونا الى سجن "غبيلة< في وضع صحي مترديˇ كنا نعاني عزلة قاسيةˇ فالزنازن كانت جد مظلمة وضيقةˇ وكنا معزولين عن العالم الخارجي حيث كانت زيارة العائلات والمحامين ممنوعةˇ وحتى المراسلات كانت ممنوعةˇ بعد شهر واحد نقلنا الى سجن مكناس، فانتقلنا الى نوع آخر من المعاناةˇ

فقد جمعونا كمعتقلات في زنزانة واحدة وهذا أمر إيجابي، لكنهم عزلونا عن معتقلات الحق العامˇ فلم يكن لنا الحق للخروج الى الساحة سوى نصف ساعة في الصباح ونصف ساعة في المساء ˇ أما زيارة العائلات فلم يكن مرخصا سوى بعشر دقائق في الاسبوع، عائلتي كانت تأتي من آسفي الى مكناس لكي تراني عشر دقائق فقطˇ

فدخلنا في إضراب عن الطعام لتحسين وضعيتنا، داخل السجنˇ وطالبنا بالحق في متابعة الدراسة واجتياز الامتحانات ˇ دام الاضراب 21 يوما وكاد أن يودي بحياة بعضنا، لبي مطلبنا فكنا ننقل لاجتياز الامتحانات الى سجن القنيطرة وسجن لعلو، فكان ذلك يسمح لي على الاقل بتغيير جدران الزنازن وهي فسحة ثمينة بالنسبة لامرأة معتقلة ومحتجزة لفترة طويلة ˇ أدركت من خلال هذا الفرق الذي يوجد بين زنازن سجن القنيطرة التي تستوطنها جحافل حشرة البق التي جندت لحرماننا من النومˇ وزنازن سجن لعلو المتميزة بالاكتظاظ الفظيع والرطوبة التي لاتطاقˇ

بعد ثلاث سنوات قررنا الدخول في إضراب عن الطعام مرة أخرىˇ وكان مطلبنا هو المحاكم او السراح المؤقت وتوزيعنا على المحاكم، الغريب في الامر هي أن التهم التي وجهت إلينا في المرة الاولى كانت جنائية وذات مضمون كبير وهي إسقاط النظامˇ اما في المرة الثانية فقد حولت هذه التهم لتصبح متعلقة بجنح بسيطة كتكوين جمعيات بشكل غير قانوني أو السب والقذف في حق الملكˇ وهذا دليل كبير على عدم استقلال القضاءˇ

بعد ثلاث سنوات من الاختطاف والاحتجاز والتعذيب مثلت أمام المحكمة بآسفي فقضت بتبرئتيˇ وكان من الإخوة من قضى مدة طويلة معتقلا بدون محاكمة وبعد ذلك صدر في حقي قرار بعدم المتابعةˇ

لم تنته محنتي بعد خروجي من السجنˇ حيث بقيت محرومة من حقي في التنقل والسفر ولم أتمكن من الحصول على جواز سفري إلا في سنة 1995ˇ وكنت حينها أهيئ أطروحتي لنيل الدكتوراه وكان ذلك يستلزم السفر الى الخارج قصد استكمال جوانب مهمة من البحث، لكنني حرمت من هذا الحقˇˇˇ

كل ما قلته لم يكن سوى القليل مما عانيناهˇ وأنا أؤكد في هذا المقام كواحدة من الضحايا وكواحدة من المواطنين الذين يهمهم مصير وطننا ان المصالحة لا يجب أن تكون سياسية فقط، بل يجب أن تشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافيˇˇ

حامد زريكم

اعتقلت يوم 7 شتنبر 1963بقيت لمدة بمخفر الشرطة بمراكشˇ ويكفي أن أقول لكم أنني اعتقلت عدة مرات في عهد الحمايةˇ حينها عندما يخرج المناضل من حصة التعذيب يبدأ في التفكير في تطوير أساليبه في مراوغة المحققينˇ لكن في معتقلات عهد الاستقلال عندما يخرج المناضل من وجبة التعذيب يبدأ في التفكير في الموت على أمل الإفلات من الوجبة القادمة من التعذيبˇ هذا لا يعني أن عهد الاستعمار كان أحسن من الاستقلالˇ ولكن هذه المقارنة تفرض نفسهاˇ بقيت زهاء شهرين بمخفر الشرطة بجامع الفنا لأقدم بعدها للمحكمة بمراكش التي رفضت استقبالي بدعوى عدم الاختصاص ولأحول إلى المحكمة العسكريةˇ

عندما وصلنا الرباط استقبلي وزير الدفاع لم يتكلم لكن ملامحه كانت خطيرة إلى درجة أنها كانت أشبه بملامح أولئك الذين كان المعتقلون يفضلون الموت على رؤيتهم مرة أخرىˇ يهمني هنا أن أقدم إشارة مهمة تتعلق بالملف المرتبط بمولاي الشافعي والاحداث المتعلقة بهˇ ففي الساحة بالسجن العسكري التقيت بصديقي القديم الحسين البزيوي وقال لي بسرعة: "لقد وضعنا السلاح واعلننا الاستسلام وماهي إلا ثوان حتى انهال الرصاص على الجميع< بالطبع كان يتحدث عن ظروف مقتل مولاي الشافعي ومساعديهˇ

بعد ذلك بمدة ظهر مؤشر آخر لايقل أهمية حيث نفذ شخصان من مراكش عملية اغتيال الضابط الذي كان يقود الفرقة السابعة التي قتلت مولاي الشافعي ومساعديهˇ فنفذ الاعدام في حق هذين الشخصين وراج الكلام مابين عناصر الجيش بأن الذين أعدموهما أبرياء لأنهم مجرد مأمورين نفذوا الاوامر التي صدرت لهمˇ لقد كان الاستقلال الذي حصل عليه المغرب مولودا غير طبيعي وماوقع بعد ذلك في نهاية الخميسنات وبداية الستينات يؤكد ذلك وعندما تأسس حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية أصبحت الامور جد واضحةˇ

في يوم 24 مارس 1960 الذي يصادف يوم 27 رمضان خرجت مجموعة من مراكش في اتجاه آمزميز المكان الذي وقعت فيه الاحداث يبعد عن منزل بركتو بحوالي 1000 متر، الاكيد أن المجموعة كانت متوجهة إلى بيت الحسين البزيوي الذي اكد انهم قاموا بإجراءات الاستسلام واعلنوه وكان الوضع واضحا بالنسبة للجيش، لكن فيما انهال الرصاص على المستسلمين نجا منه الحسين البزيويˇ

كلما قلته كان تقديما لمقاربة اقترحها على هيئة الانصاف والمصالحة بخصوص ملف احداث مقتل مولاي الشافعي ومساعديه إذ يجب التمييز بين مولاي الشافعي والبشير المطاعي والحسين البزيوي كقادة وبين بركتو والباقي ممن تمت تصفيتهم والذين كانوا مأمورينˇ

18/03/2005

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma